العدد 6192
السبت 27 سبتمبر 2025
بروناي تودع الرينغيت وتعانق الدولار!
السبت 27 سبتمبر 2025

في خطوة لافتة على صعيدها النقدي، قررت سلطنة بروناي دار السلام إنهاء استخدام مصطلح «رينغيت» في أوراقها المالية والاكتفاء باسم «الدولار البروناوي». القرار قد يبدو تفصيلاً فنياً بسيطاً، لكنه يحمل دلالات أعمق؛ إذ يكشف عن رغبة الدولة في توحيد هويتها النقدية، وتقديم صورة أكثر وضوحاً وثباتاً في زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

مصطلح «رينغيت» في الأصل تعبير متجذر في الموروث الملايوي، حيث تعد بروناي واحدة من أقدم السلطنات في أرخبيل الملايو. وقد أُطلق هذا المصطلح تاريخياً على القطع الفضية المسننة التي كانت متداولة في الموانئ التجارية منذ القرن السادس عشر، فظل حيًّا في الذاكرة النقدية لشعوب المنطقة. ومع تشكل الدول الحديثة، تبنّت ماليزيا «الرينغيت» كعملة وطنية، فيما اختارت بروناي لسنوات الجمع بين المصطلحين: «رينغيت/‏سِن» بالملايوية و«دولار/‏سِنت» بالإنجليزية، لتظهر هذه الثنائية بوضوح على أوراقها النقدية. غير أن «أمر العملة والنقد لعام 2004» أنهى هذا التعدد، مثبتًا «الدولار البروناوي» كوحدة رسمية، ليأتي القرار الأخير بمثابة استكمال لمسار تقنين بدأ منذ عقدين.

البعد القانوني لهذا التحول يتجاوز الشكل اللغوي، فهو يعكس سعي الدولة إلى إزالة الالتباس وتقديم خطاب نقدي متماسك يرفع ثقة المواطنين بالعملة، ويعزز مصداقية بروناي أمام شركائها الخارجيين. فكما تشير تقارير البنك الدولي، فإن اتساق الهوية النقدية عنصر مهم في ترسيخ الاستقرار المالي، لأن الرموز الواضحة تقلل من الشكوك وتبني جسور الثقة بين المؤسسات والأسواق.

لكن التغيير لا يقف عند حدود الاسم، إذ إن أوراقا نقدية جديدة ستدخل التداول في النصف الأول من 2026 وتشمل فئات متعددة، من دولار بروناوي  واحد (0.78 دولار أميركي) إلى 500 دولار بروناوي (389 دولار أميركي). وقد زُوّدت بميزات أمنية متقدمة، أبرزها خاصية (دومينو) التي تتيح لضعاف البصر التعرف بسهولة على الفئات المختلفة عبر نقاط بارزة مميزة لكل ورقة. هذه الخطوة تحمل بُعداً اجتماعياً، فهي تؤكد أن الإصلاح النقدي ليس إجراءً تقنياً فحسب، بل جزء من مشروع أشمل للشمول المالي وإشراك جميع فئات المجتمع.

تجربة بروناي توضح أن الاستقرار الاقتصادي لا يقوم فقط على حجم الاحتياطات أو عوائد الطاقة، بل يبدأ من وضوح الرموز النقدية واتساقها. فالدولة الصغيرة، رغم اعتمادها الكبير على النفط والغاز، اختارت أن تبعث برسالة ثقة عبر توحيد اسم عملتها وإصدار أوراق جديدة بخصائص أمنية واجتماعية متطورة. هذه الخطوة تكشف أن الأسواق والمستثمرين يقرأون في الرموز ما يتجاوز قيمتها المادية، ويربطونها بالقدرة المؤسسية على الانضباط والتكيف مع المعايير الحديثة.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن هذه التجربة تحمل دروساً عملية مهمة: فالعملة ليست مجرد ورق للتداول، بل مرآة للهوية ورسالة مزدوجة للداخل والخارج، تؤكد أن الثقة تُبنى من التفاصيل الصغيرة كما من القرارات الاقتصادية الكبرى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .