العدد 6178
السبت 13 سبتمبر 2025
مطار جديد يعيد تعريف كمبوديا
السبت 13 سبتمبر 2025

حين تنشأ مطارات كبرى، لا تعيد ترتيب حركة الطيران فقط، بل تعيد تعريف هوية الدول في أعين شعوبها والعالم. هكذا جاء افتتاح مطار “تيكو الدولي” في كمبوديا مؤخرًا، ليحوّل البنية التحتية إلى لغة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة. إنه مشروع يتجاوز الخرسانة والمدارج نحو إعادة رسم علاقة البلاد بالعولمة، وإلى تحويلها من هامش جغرافي إلى عقدة وصل إقليمي. وما يثير الانتباه أن ما يحدث بكمبوديا يحمل أصداءً خليجية، حيث تتقاطع رهانات البنية التحتية والنمو.

المطار الجديد الذي بلغت تكلفته 1.5 مليار دولار أميركي بتمويل سخي من الصين، ليس مجرد مدرج طويل في مقاطعة كاندال، بل مشروع وطني يعكس رؤية كمبوديا في إعادة صياغة علاقتها بالعالم. قدرته على استقبال 13 مليون مسافر سنويًّا في مرحلته الأولى تجعله الأضخم في البلاد، وقادرًا على استقبال طائرات إيرباص A380 وبوينغ 747. هذا الحجم من البنية التحتية لا يعني الطيران وحده، بل يعني فرص عمل جديدة، وحراكًا سياحيًّا وصناعيًّا وتجاريًّا يغيّر وجه المجتمع.

تشير تقديرات متداولة في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن كل مليون سائح قد يوفّر نحو 1,500 وظيفة مباشرة وغير مباشرة. ومن هذا المنطلق، فإن مطار “تيكو” لا يمثل مجرد مشروع طيران، بل منصة لتحفيز قطاعات الضيافة والخدمات والنقل والحرف، بما يسهم في تعزيز الحراك الاجتماعي وصعود طبقة وسطى جديدة في كمبوديا.

هنا يطرح السؤال نفسه: ماذا يعني مطار في كمبوديا لدول الخليج؟ الجواب يكمن في أن الخليج العربي، رغم ثروته، يخوض معركة تنويع اقتصاده. فكما جعلت كمبوديا من مطارها بوابةً إلى العالم، يمكن للخليج أن يعزز شراكاته مع جنوب شرق آسيا عبر الاستثمار في مشاريع لوجستية وسياحية مشتركة، وفتح خطوط طيران مباشرة، وربط أسواقه بالأسواق الصاعدة، فصناديق الاستثمار الخليجية تستطيع أن تجد في محيط المطار مشاريع عقارية وتجارية مشابهة للمناطق الحرة التي عرفتها المنامة ودبي والرياض.

لكن أهمية المطار لا تقف عند الاقتصاد، فالمطارات هي أيضاً مسارح للتواصل الثقافي. عبرها يلتقي الناس، وتُفتح أبواب التبادل التعليمي والسياحة العلاجية، ما يمنح الخليج فرصة لتوسيع نفوذه الثقافي في جنوب شرق آسيا. فالعالم لم يعد يتعامل مع الطيران كقطاع خدمات فقط، بل كبنية أساسية لتمرير الأفكار والقيم، تماماً كما تمرر البضائع والسلع.

افتتاح مطار “تيكو الدولي” ليس خبرًا محليًّا عابرًا، بل علامة على أن التنمية تبدأ من البنية التحتية التي تفتح الأبواب أمام الإنسان قبل الاقتصاد. الاستثمار في المطارات والطيران ليس رهانا على حركة المسافرين فحسب، بل على صياغة مستقبل مختلف. وكمبوديا، وهي تحلّق خارج حدود جغرافيتها، تقدّم صورة عن كيف يمكن للبنية التحتية أن تتحول إلى أفق مفتوح للتعاون والشراكة، وإلى جسر يربط بين التنمية المحلية والدور العالمي.

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية