العدد 6171
السبت 06 سبتمبر 2025
ملامح “الروبوتاكسي” في سنغافورة
السبت 06 سبتمبر 2025

في شوارع سنغافورة المضيئة، لا يتوقف الزائر أمام الأبراج العالية أو المراكز التجارية فحسب، بل يندهش أيضا من مركبات تنساب بلا سائق (الروبوتاكسي)، تُدار بأنظمة ذكية تراقب الطريق وتحلل حركة السير لحظة بلحظة. هذا المشهد لم يعد تجربة محدودة، بل جزءًا من سياسة وطنية متكاملة. فسنغافورة، الدولة-المدينة التي تواجه شيخوخة سكانية وضيقًا اقتصاديًا، اختارت أن تجعل من النقل الذاتي وسيلة لحماية مستقبلها. الروبوتاكسي في سنغافورة ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية، وهو درس يتوجب على دول الخليج أن تتأمله بدقة.

المعطيات الديمغرافية تُظهر حجم المعضلة. واحد من كل خمسة سنغافوريين سيبلغ الخامسة والستين في 2025، مع توقع أن تصل النسبة إلى 24 % بحاول 2030، حسب دائرة السكان. أما عدد السكان في سن العمل (15 – 64 سنة) لكل مسن فوق 65 عامًا، فقد هبط إلى 3.5 شخص عام 2024، حسب دائرة الإحصاءات. وفي بلد لا يتجاوز عدد سكانه 6 ملايين نسمة، يصبح البحث عن حلول غير تقليدية مسألة بقاء، لا خيارًا سياسيًا.

الأرقام الاقتصادية تكشف أن الرهان على التكنولوجيا ليس عبثًا. فقد قدّرت الدراسات أن حجم سوق السيارات الذاتية في سنغافورة سيبلغ 799.4 مليون دولار أميركي في 2025، وسيرتفع إلى 2.18 مليار دولار بحلول 2032، حسب تقرير (كوهيرينت ماركيت). هذه الأرقام تترجم إلى استثمارات وفرص عمل جديدة في قطاعات البرمجيات، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات المساندة. ومع ذلك، يظل الجانب الاجتماعي حاضرًا، فسائقو التاكسي يخشون فقدان أعمالهم، والمجتمع يتساءل عمّن تقع عليه المسؤولية الأخلاقية والقانونية إذا تسببت المركبات الذاتية في حادث. غير أن قوة سنغافورة تكمن في صرامة تشريعاتها وقدرتها على تحويل المخاوف إلى مختبر للابتكار.

أما بالنسبة للخليج، فإن العبرة واضحة. فدول مثل البحرين، ذات المساحة الصغيرة والكثافة السكانية، يمكن أن تستفيد من الروبوتاكسي لتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة، وتحسين كفاءة النقل داخل المدن، وربط التجربة بمسار التحول الرقمي الذي تتبناه في استراتيجياتها.

أما الدول الأكبر مثل السعودية والإمارات، فهي قادرة على تجاوز النموذج السنغافوري بإنشاء صناعة إقليمية للنقل الذاتي ترتبط بالمدن الذكية مثل نيوم ودبي الذكية. وهنا يصبح النقل الذاتي ليس مجرد وسيلة للحركة، بل أداة لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز تنافسية المنطقة.

إن ما يجري في سنغافورة يتجاوز حدود تجربة تكنولوجية عابرة؛ إنه إعلان عن كيفية تحويل الأزمات إلى فرص، والشيخوخة إلى دافع للابتكار. وبالنسبة للخليج، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستصل، بل كيف يمكن استثمارها بذكاء لتكون خادمة للمجتمع والاقتصاد معًا. ومن هنا، يصبح الروبوتاكسي رمزًا لمسار مزدوج ما بين عجلات صامتة تتحرك على الطرق، وأفكار صاخبة يجب أن تتحرك في أروقة صانع القرار الخليجي.

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .