في محكمة التجارة العالمية، ارتفع صوت جاكرتا في مواجهة بروكسل، بعد سنوات من نزاع طال صادراتها من الديزل الحيوي المصنوع من زيت النخيل. القضية التي بدت في بدايتها تقنية محصورة في ما يُعرف بـ “الإجراءات المضادة للإعانات”، أي الرسوم التي تفرضها الدول إذا اعتبرت أن الطرف الآخر يمنح تسهيلات أو إعانات مالية تجعل صادراته أرخص وتضر بصناعتها، تحولت إلى ساحة اختبار لمدى عدالة النظام التجاري الدولي، ولقدرة الجنوب العالمي على انتزاع حقوقه أمام أدوات الحماية الغربية.
الوقود الحيوي، وبالتحديد الديزل الحيوي المستخرج من زيت النخيل، يشكل جوهر الخلاف؛ فهو يُسوّق كبديل أنظف عن الوقود الأحفوري، لكنه ظل مثيرا للجدل بسبب ارتباطه بإزالة الغابات واستخدام الأراضي الزراعية. ومنذ العام 2019، فرض الاتحاد الأوروبي رسوما بين 8 و18 % على واردات الديزل الحيوي الإندونيسي، بزعم أن جاكرتا تقدم إعانات عبر صندوق زيت النخيل والضرائب التفضيلية. هذه الإجراءات سرعان ما خنقت التجارة، فانخفضت الصادرات من 1.32 مليون كيلولتر بالعام 2019 إلى 36 ألفا في 2020، ثم إلى 27 ألفا فقط بالعام 2024.
إندونيسيا واجهت هذه القيود برفع دعوى ضد الاتحاد الأوروبي أمام منظمة التجارة العالمية بالعام 2023. وبعد مداولات مطولة، أصدرت لجنة التحكيم في أغسطس 2025 حكما مهما: الرسوم الأوروبية لا تستند إلى أدلة كافية؛ إذ لم يثبت أن السياسات الإندونيسية تشكل “إعانة” بمفهوم اتفاقية منظمة التجارة، كما لم يثبت أن الواردات ألحقت “ضررا ماديا” بالصناعة الأوروبية.
وبناءً على ذلك، أوصت اللجنة بروكسل بتعديل إجراءاتها لتتوافق مع التزاماتها. غير أن الحكم، على رغم أهميته، يظل محدود الأثر لأن هيئة الاستئناف العليا معطلة منذ 2019؛ ما يجعل القرارات غير قابلة للمراجعة النهائية ويترك تنفيذها رهنا بالإرادة السياسية. في هذا الفراغ المؤسسي يبرز سؤال الالتزام، فالاتحاد الأوروبي ما زال يناور بسياسات جديدة مثل توجيه الطاقة المتجددة وقانون مكافحة إزالة الغابات، التي قد تتحول إلى قيود غير مباشرة على زيت النخيل. في المقابل، تضغط جاكرتا لإلغاء الرسوم فورا، معتبرة أن الحكم يعكس قدرة القانون على فضح ازدواجية المعايير الغربية.
القضية أبعد من زيت النخيل؛ هي مرآة لخطاب أوروبي يتزيّن بالاستدامة ويحتمي بالحماية، فيما الجنوب يصارع لنيل عدالة تجارية أمام قوى كبرى تتذرع بالبيئة. بالنسبة للخليج، الدرس واضح: التحول إلى طاقة بديلة مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة لا يكفيه الاستثمار وحده، بل يحتاج أيضا إلى دفاع قانوني يحمي الصناعات، من البتروكيماويات حتى التقنيات النظيفة، ويضمن حق النفاذ إلى الأسواق.
في المحصلة، أثبتت إندونيسيا أن الجنوب قادر على كسر القيود، وأن خرائط التجارة تُرسم بالقانون، لا بإرادة بروكسل وحدها، بل بإرادة العواصم التي تحوّل التحديات فرصا.