منذ قرون، حملت الرياح التجارية أنفاس اللغة العربية من شبه الجزيرة العربية إلى أرخبيل جنوب شرق آسيا (آسيان)، فانطلقت كتيارات خفيّة تعبر البحار، حتى لامست سواحل سومطرة عبر مضيق ملاكا ونهر ميكونغ، وصولًا إلى جبال كينابالو، ناشرةً حضورًا ثقافيًا وروحيًا عميقًا امتزجت فيه اللغة بروح المكان، فغدت صوت المحراب ومنارة التعليم والدين. ومع ازدهار الملاحة، لعب التجار والدعاة والعلماء دورًا مهمًا في إنشاء شبكات تعليمية ودينية ربطت الموانئ الآسيوية بالمراكز العلمية في الحجاز واليمن والهند، لترسّخ العربية جزءًا أصيلًا من هوية المنطقة الإسلامية.
ومع التحولات الاقتصادية والمعرفية المتسارعة في العقود الأخيرة، تجاوزت العربية فضاءها التقليدي لتدخل عوالم التكنولوجيا، في سياق التحوّل العميق الذي تشهده دول “آسيان”. وقد دفع هذا الواقع المؤسسات التعليمية إلى إعادة النظر في مناهجها، والانتقال من أنماط التلقين الديني التقليدية إلى بناء كفاءات لغوية قادرة على التفاعل مع متطلبات سوق الاقتصاد الرقمي.
وسط هذه التحولات، وجدت نفسي أخيرا في قلب مشهد يعيد للعربية حضورها المعاصر. كنت هناك، بين وجوه قدمت من “آسيان” والعالم العربي للمشاركة في المؤتمر الدولي لتعليم اللغة العربية وآدابها بجامعة السلطان أزلن شاه بمدينة كوالا كانغسار الماليزية. لم يكن لقاءً أكاديميًا عابرًا، بل فضاءً فكريًا حيًّا أبرز إدراكًا متناميًا لضرورة تجديد المناهج والانفتاح على مقاربات تعليمية حديثة.
أفرزت مداولات المؤتمر رؤى إصلاحية تمحورت حول إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوسيع مجالات تعلم العربية، وتفعيل برامج الانغماس اللغوي، وربط العملية التعليمية بالممارسة الواقعية. وقد عكست هذه الرؤى وعيًا عمليًا بضرورة إنشاء بيئات تعليمية حيّة قادرة على تخريج أجيال توظّف العربية في السوق؛ فتتحوّل من لغة محصورة في الذاكرة والتراث إلى أداة فاعلة في الحاضر والمستقبل.
وتتجلّى أهمية هذه الرؤى في السياحة الإسلامية، إذ أصبحت اللغة العربية عنصرًا أساسيًا في تيسير التواصل وفهم احتياجات الزوار. ووفقًا لتقرير دولي حول السفر الإسلامي، سجّل المسلمون 176 مليون رحلة دولية في 2024، بزيادة 25 % على العام السابق 2023، متجاوزين مستويات ما قبل جائحة “كورونا”. ويبرز هذا النمو فرصًا مهنية واعدة أمام خريجي العربية في الإرشاد السياحي، والترجمة، وصناعة المحتوى، والتسويق الموجّه للزوار العرب والخليجيين على وجه الخصوص.
واليوم، تمضي اللغة العربية في فضاء “آسيان” نحو آفاق جديدة، منطلقةً من إطار التعليم الديني التقليدي إلى ميادين الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية، مستعيدة قدرتها التاريخية على الجمع بين الروح والحركة، بين صوت المحراب ونبض السوق. وتمثل هذه التحولات فرصة استراتيجية لدول الخليج العربية لتعزيز حضورها في منطقة جنوب شرق آسيا عبر دعم برامج تعليم العربية، وتأهيل الكوادر المحلية، والاستثمار في المنصات الرقمية والمراكز اللغوية المشتركة، بما يجعل اللغة جسرًا للتقارب الحضاري وأداةً لبناء شراكات مستدامة.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور