الذكاء الاصطناعي، الذي أطلق شرارة الثورة الصناعية الرابعة، لم يعد وعدًا غامضًا في الأفق، بل واقعًا يتقدّم بخطى لا تُرى بالعين، ويُسمَع هديره في كل شاشة ومعالج وخوارزمية، ولم يَعُد مجرّد أداة للانتاج أو الكفاءة، بل ساحة سباق محتدم بين الدول والشركات والأفراد، تُقاس فيها المكانة بميزانيات تفوق الخيال. لكنه سباقٌ لا يخلو من مفارقةٍ مريرة: فمَن يسعى للريادة فيه، يُنفق ما قد يُفقره.
فمنذ أن أطلقت كبرى الموسسات الاقتصادية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي مؤخرًا، تحذيراتها من “الفجوة الرقمية المتعمقة”، بات واضحًا أن الذكاء الاصطناعي ليس فقط تكنولوجيا للغد، بل ميزان قوى راهن وجديد للعالم.
الدول الغنية وحدها قادرة على تمويل البنية التحتية التي يتغذّى عليها الذكاء الاصطناعي — مراكز بيانات تستهلك طاقة مدنٍ بأكملها، وشبكات حوسبة تكاد تسبق الضوء، وجيوش من العلماء والمهندسين. وهكذا تتسع الهوة: اقتصادٌ متقدم يركض بأقدامٍ من سيليكون، وآخر متعثر يلهث في غباره.
لكن الوجه الآخر لهذا البريق مكلف حدّ الوجع. فبحسب تقريرٍ لشركة “إرنست آند يونج”، تكبّدت الشركات العالمية مجتمعةً نحو 4.4 مليارات دولار خسائر بسبب مغامراتها غير المحسوبة في الذكاء الاصطناعى. تسعة وتسعون بالمائة من الشركات التي خاضت التجربة خرجت بجراحٍ مالية، وكثير منها خسر ملايين في أنظمةٍ لم تتعلم إلا الخطأ.
من “سوفت بنك” التي تبخّرت استثماراتها في مشاريع بلا عائد، إلى “آي بي إم” التي فقدت ملايين الدولارات وماء الوجه في مشروعها الطبي الفاشل “واتسون”.
ولم تتوقف الكلفة عند حدود المال، بل امتدّت إلى الأخلاق والسمعة. خوارزميات تُقصي النساء لأن بيانات تلك الخوازميات متحيّزة، وتقارير تولّد “هلوسات رقمية” تُورّط مؤسسات عريقة في فضائح محرجة.
حتى روبوتات خدمة العملاء باتت تُصدر قراراتٍ تُلزم شركات الطيران بدفع تعويضات حقيقية لضحايا نصائحها الخاطئة.
الذكاء الاصطناعي، إذن، ليس معركة تكنولوجية فحسب، بل اختبارٌ أخلاقي واقتصادي لماهية المستقبل.
فبينما تندفع القوى الكبري إلى ضخّ المليارات في سباق لا نهاية له، تترنّح الحقيقة وسط غبار السباق: أن من يراهن على هذه التقنية دون وعيٍ أو ضوابط، قد يخسر أكثر مما يربح.
وكما حذّرت مديرة صندوق النقد الدولي، فإن “الأساس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي لم يتشكّل بعد”. وما لم يُبنَ هذا الأساس على حكمةٍ وتنظيمٍ ورقابة بشرية، فسيبقى الذكاء الاصطناعي وعدًا يحمل في جوفه الخطر ، طاقةً هائلة قادرة على توليد الثروة... أو ابتلاعها.