العدد 6190
الخميس 25 سبتمبر 2025
ساسة بطعم الذكاء الاصطناعي
الخميس 25 سبتمبر 2025

في مشهدٍ قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا، أعلن رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما عن رغبته في إدخال وزيرة افتراضية إلى حكومته، تحمل اسم “ديلا” – أي “شمس” بالألبانية – لتكون أداة رقمية لمكافحة الفساد في منح العقود العامة. لم يكن هذا الإعلان مجرد فكرة تقنية عابرة، بل بدا وكأنه محاولة لفتح الباب أمام فصل جديد في العلاقة بين الإنسان والآلة، حيث لم تعد الأخيرة مجرد أداة مساعدة، بل مرشحة لأن تصبح شريكاً في صناعة القرار السياسي.
المعارضة الألبانية سارعت إلى مهاجمة المقترح، مؤكدة أنه غير دستوري، فالقانون ينص بوضوح على أن الوزراء يجب أن يكونوا مواطنين ألبانيين، راشدين يتمتعون بأهلية عقلية. بالنسبة للمعارضين، فإن “ديلا” ليست سوى برنامج بلا جسد ولا جنسية، ومن ثمّ لا يمكنها أن تتقلد منصباً حكومياً. لكن راما بدا كمن يجرّ بلاده إلى حوار أوسع يتجاوز النصوص القانونية الضيقة، ويمس جوهر فلسفة الحكم في القرن الحادي والعشرين.
ففي العمق، السؤال لم يعد محصوراً في ما إذا كان تعيين وزيرة افتراضية دستورياً أم لا، بل في ما إذا كانت البشرية مستعدة للتنازل عن جزء من سيادتها السياسية لصالح الذكاء الاصطناعي. إن دخول “ديلا” إلى المشهد ليس مجرد تجربة محلية، بل انعكاس لاتجاه عالمي حيث تتحدى التكنولوجيا حدود ما اعتدناه: قضاة يعتمدون على خوارزميات لتقدير الأحكام، برلمانات تستخدم الذكاء الاصطناعي في صياغة التشريعات، وحكومات تفكر في الاستعانة بالآلة لاتخاذ قرارات أكثر “موضوعية” وأقل خضوعاً للفساد البشري.
غير أن هذا الحلم الرقمي يثير أسئلة مقلقة: من يصمّم هذه الأنظمة ومن يراقبها؟ هل يمكن لآلة أن تكون مستقلة حقاً عن مصالح من برمجها؟ أليست الشفافية التي يعد بها الذكاء الاصطناعي مجرد واجهة برّاقة تخفي وراءها تحكماً أكثر غموضاً من فساد البشر؟ الفيلسوف المعاصر قد يرى في “ديلا” بداية لعصرٍ تتراجع فيه فكرة “المسؤولية الفردية” في الحكم، لصالح سلطة لا وجه لها، ولا يُعرف من يحرك خيوطها في الخفاء.
وإذا كانت الديمقراطية تقوم في جوهرها على فكرة المحاسبة الشعبية، فإن الذكاء الاصطناعي يطرح معضلة عميقة: كيف يمكن محاسبة آلة على قراراتها؟ هل يُعاقَب المبرمج أم الخوارزمية؟ وهل ستقبل الشعوب بأن تديرها كيانات لا تشاركها التجربة الإنسانية من خوف وطموح وخطأ؟ هنا يصبح “ديلا” رمزاً لا لألبانيا وحدها، بل لعصر جديد تُعاد فيه صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين الإنسان وأدواته.
ربما أراد راما أن يقدم مشروعاً جريئاً يضع بلاده في صدارة النقاش العالمي حول مستقبل الحكم، وربما كان يسعى فقط إلى خطوة رمزية تثير الجدل وتعيد له وهج المبادرة السياسية. لكن، في كل الأحوال، فإن “ديلا” لم تعد مجرد مساعد افتراضي على مواقع حكومية، بل تحولت إلى مرآة كاشفة: إما أن نرى فيها شمساً ساطعة لسياسة أكثر نزاهة، أو نتوجس منها كظل طويل يهدد بأن تنتزع الآلة شيئاً من سيادة الإنسان على مصيره.
إنه الجدل الذي سيلازم القرن الجديد: هل نصنع التقنية لتخدم الديمقراطية، أم سنسمح لها بأن تعيد تعريفها؟

 

* كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية