تخيّل لو أن مدافع حرب أكتوبر لم تُطلق بالعام 1973، بل انتظرت نصف قرن لتستيقظ في 2025، في زمنٍ تحلّ فيه الخوارزميات محلّ الجنود، وتُرسم الخطط العسكرية على شاشات مضيئة لا على الخرائط الورقية.
تخيّل أن حرب العبور لم تكن عبورًا للمياه فقط، بل عبور بين زمنين: زمن العرق والإبداع البشري، وزمن الذكاء الاصطناعي الذي يخطط ويحارب ويخطئ ويتعلم.
في تلك الحرب المفترضة، لن يكون في مقدمة الجبهة جنود بخوذات مغبّرة، بل روبوتات هندسية مزودة بعيون ليزرية وخوارزميات تحليل لحظي للتضاريس. لن يحتاج المهندسون إلى خراطيم مياه لثقب الساتر الترابي لخط بارليف؛ فآلة ذكية كانت ستتولى المهمة، تحفر بدقة جراح، وتتعلم في كل لحظة من أخطائها. آلةٌ تعرف من الأقمار الصناعية أين تضع أقدامها، وتستمع إلى الأرض كما ينصت المقاتل إلى نبض قلبه قبل الهجوم.
في المقابل، لم تكن إسرائيل ستقف مكتوفة اليدين. هناك، في غرف عمليات مُحاطة بشاشات زرقاء، كان الذكاء الصناعي الإسرائيلي سيحلل حرارة المحركات المصرية قبل أن تقلع الطائرات، ويتنبأ بمسارات العبور قبل أن تبدأ. لم تعد المعركة إذًا على الرمال، بل في العقول والدوائر الإلكترونية، حيث يصبح من يملك المعلومة أشرس ممن يملك السلاح.
هل كانت عبقرية النوبيين الذين استخدموا لغتهم في تشفير الاتصالات ستجد مكانها في هذا العصر؟ ربما لا؛ فقد صار التشفير الآن لغةً للخوارزميات وحدها. أنظمة تولّد لغات رقمية تتبدل كل ثانية، لا تفهمها حتى عقول من صنعوها. لكن السؤال الأعمق: هل كان الذكاء الصناعي سيستطيع أن يُترجم النية؟ أن يفهم الخوف والحماسة والرهبة التي تصنع المعركة؟ أم أنه، رغم كل ذكائه، سيبقى آلة بلا ذاكرة وجدانية، لا تعرف معنى أن تعبر قناة لتستعيد كرامة؟
في هذا العالم التخيلي، كانت الحرب ستبدأ قبل إطلاق أول رصاصة. حرب سيبرانية صامتة، حيث تُهاجم الشبكات قبل الجيوش، وتُعطل أنظمة الدفاع بضغطة زرّ. كانت مصر، ربما، ستطلق هجومًا رقميًا يُربك القيادة الإسرائيلية، بينما تحلّق طائرات مُسيّرة ذكية، تختار أهدافها ذاتيًا، وتنسق فيما بينها دون قائد بشري. لكن إسرائيل، المدعومة بذكاء صناعي أمريكي، كانت ستردّ بأسراب إلكترونية معاكسة، تُغرق الفضاء الرقمي بالاختراقات، حتى يصبح النصر مجرد معادلة احتمالية تُحسب في خوادم السليكون.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل ما علّمته أكتوبر الحقيقية: أن الحرب ليست فقط أدوات، بل إرادة. في 1973، كسرت مصر معادلات مستحيلة بخراطيم مياه لا بخوارزميات، بالإبداع لا بالتفوق التقني. في سيناريو 2025، ربما لم تكن الحرب لتُحسم بتكنولوجيا، بل بقدرة البشر على تطويعها، على جعل الذكاء الصناعي خادمًا لفكرتهم، لا سيدًا عليها.
قد يكون الذكاء الصناعي سلاحًا ذا حدين: يمنح التفوق لمن يستخدمه بذكاء إنساني، ويسلب المعنى ممن يسلمه القرار؛ فالحرب التي تُدار بالعقول وحدها تفقد حرارة القلب، والعبور الحقيقي ليس عبور قناة أو تحصين، بل عبور بين ما تصنعه الآلة وما يصرّ عليه الإنسان.
وهكذا، لو اندلعت أكتوبر في زمن الذكاء الصناعي، لكانت حربًا لا تُشاهد فيها الدبابات إلا على شاشات الواقع المعزز، ولا يُقاس فيها النصر بعدد الطائرات، بل بعدد “البايتات”. ومع ذلك، سيبقى الجندي المجهول هو الإنسان ذاته - بخوفه، بجرأته، بإبداعه - لأنه وحده القادر على أن يُلهم آلةً بلا قلب لتقاتل من أجل قضية.
في النهاية، ربما كان الذكاء الصناعي سيُغير شكل الحرب، لكنه ما كان ليُغير جوهرها؛ فالخوارزميات تُحسن الحساب، لكنها لا تدرك عزيمة ولذة الانتصار.