العدد 6205
الجمعة 10 أكتوبر 2025
قيمة الفن (2)
الجمعة 10 أكتوبر 2025

عندما انهارت المؤسسات الثقافية العربية العامة بعد أن رفعت الحكومات أيديها عنها، لم يجد المثقفون ملاذا آمنًا سوى الاتحادات الثقافية أو الاجتماعية التي يمارسون من خلالها أنشطتهم الأدبية والإبداعية، وأصبحت هذه الاتحادات أو تلك الجمعيات بمثابة المظلة التي يتظللون بها، والجدران “الرطبة” التي تؤويهم، والخيام الهائلة التي يلجأون إليها.
صحيح أنه لا إنفاق حكومي يُذكر على تلك المؤسسات، وصحيح أنه لا رعاية من أي نوع لأعضاء هذه الكيانات، لكن الصحيح أيضًا أن أعضاءها بلغوا مرحلة من النضج واليأس بحيث أنهم بدأوا في الاعتماد على أنفسهم في تمويل الفعاليات، والذهاب ربما إلى نهاية العالم لجمع التبرعات، المدهش حقًا والغريب أن فكرة التبرع للجمعيات الثقافية والصحافية واتحادات الأدباء لم تكن واضحة في ذهن المتبرع مثلما هي فكرة المساندة للجمعيات الخيرية، ربما لأن هذه الجمعيات توجه أموالها وخدماتها للمحتاجين والمعوزين وذوي الاحتياجات الخاصة، وربما أن المجتمع لم يضع ضمن أولوياته الثقافة لكي تكون ضمن سلم الأولويات كالمؤسسات المحتاجة وتلك التي تستحق الدعم أو التبرع أو الزكاة. ربما لأن المنضوين تحت مظلة هذا القطاع المليوني العريض منتجون في الأساس، يأكلون من مؤلفاتهم ويشربون من محاضراتهم، ويسافرون في معية مسؤول كبير، أو بدعوة من مؤسسة رعوية ذائعة الصيت و”الغِنى”. عمومًا لم يكن في الإمكان أسوأ مما يعيش المثقف العربي هذه الأيام، الكارثة أن الوضع المزري الذي يعاني منه امتد ليلحق الصحافيين ومؤسساتهم المهنية، معظم جمعيات الصحافة لا تدعم أعضاءها، ومعظمها لا تقدم أي تمويل أو رعاية أو خدمات من أي نوع، ومعظمها يضع أذنًا من طين وأخرى من عجين لو طالب الصحافي بمعاش تقاعدي أسوة ببعض النقابات المهنية في دول أخرى أكثر تقدمًا ووعيًا باحتياجات الصحافي.


قيمة الثقافة وتأثير الصحافة مرتبطان دائمًا ببعضهما، بل إنهما يمشيان في خطين متوازيين مع قيمة المجتمع، يعبران عنه ويرسمان صورته، ويشكلان ذهنيته، ويحفظان وعيه الجمعي من الهلاك والاستهلاك والضياع. رغم ذلك، لا يحصل المثقف الصحافي على أي نوع من الدعم أو الرعاية أو الخدمة، ولا يحصل بالتالي على أي دخل من أي نوع لإعانته على نفقات الحياة والعيش الكريم.
الدول المعنية تترك هذه “المخلوقات” لكي تبحث عن لقمة عيشها بنفسها، من أي مكان ومن أي مصدر تمويل، وهنا يكمن الخطر، وهنا يتجلى مربط الفرس في أدق صوره عندما يهاجر المثقف إلى عالم غير عالمه، وإلى دنيا غير دنياه، وإلى سلالات غير سلالته، هنا أيضًا لا لوم على الصحافي المثقف الذي لا معاش له ولا دخل يُذكر، ولا رعاية يحصل عليها بأية صورة من الصور، لا لوم عليه لو هاجر أو تخلى عن رسالته، أو أغلق هواتفه، أو أصبح في خدمة “من يدفع أكثر”. ليس كل المثقفين ملائكة، وليسوا جميعهم قديسين، من هنا كان لابد من سد الذرائع، ودرء المخاطر، واحتواء حملة الأقلام وتوفير المظلات الرعوية لهم، يحدث ذلك في أوروبا، ويحدث في بعض الدول العربية، ويحدث في آسيا وأفريقيا أيضًا، تجميع أصحاب العقول تحت مظلات وقائية من حرارة الشمس، ومن رطوبة الشتاء، ومن غدر الزمن، هنا تكمن قيمة الفن، ويتم تعزيز هذه القيمة والتأكيد عليها بتعزيز أصحابها، الفنانين والأدباء والشعراء والصحافيين والنقاد وغيرهم، وهنا نستطيع القول إن قيمة الفن من قيمة أصحابه، وإن قيمة أصحابه من قيمة أوطانهم، وإلا فعلى الدنيا السلام.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية