العدد 6198
الجمعة 03 أكتوبر 2025
لوجه الله أسامة مهران
أسامة مهران
“فئة أولى” والعام رقم “8”
الجمعة 03 أكتوبر 2025

قد تظل تلك الأرقام راسخة في الأذهان لسنوات طويلة، وربما لعقود، ذلك أنها استثناء من قاعدة، وبطولة في حد ذاتها، مكافحة الاتجار بالبشر وجرائمه، التجاوز في حق الإنسان من أخيه الإنسان، والتنمر بمصيره ومستقبله، هو ما آلت إليه دولة على نفسها لكي تحمي كرامته، وتصون مشاعره. إنها مملكة البحرين الحاصدة للرقم الاستثنائي من بين الأرقام، وللفئة المتقدمة بين مختلف الفئات، وهي وزارة الخارجية الأميركية أبرز مرجع دولي سنوي في مجال مكافحة الاتجار بالبشر.

رقم استثنائي لأن مملكة البحرين بأصلها وفصلها وشحمها ولحمها، تمكنت من أن تحصل على البطولة الماراثونية الإنسانية من بين 188 دولة حول العالم، أما البطولة فكانت الفئة الأولى وللعام الثامن على التوالي 2018 - 2025 في مكافحة الاتجار بالأشخاص وحفظ حقوقهم وكرامتهم، وذلك على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولولا التاريخ العريق الذي قطعته مملكة البحرين في مجال بناء الحضارة الإنسانية والشراكة التنموية، ما كانت قد حصدت هذه الألقاب طوال السنوات الثماني الأخيرة، التاريخ يشهد لها.. نعم، طبيعة شعب وسلوك دولة وأخلاق قيادة.. أيضًا نعم، جمعيها.. جميعها رسخت مبدأ دوليا قبل أن ترعى المؤسسات العالمية حقوق البشر، بل وقبل أن تضع القوانين والحيثيات والإحداثيات الكفيلة بالدفاع عن هذه الحقوق والوقاية من العدوان عليها، بل وحصد نتائجها وتحويل مرتكبي المخالفات إلى منصة القوانين الصارمة واللوائح الدقيقة التي تحرسها مؤسسات تسهر على راحة المواطن والمقيم، وتخشى عليه من غدر الزمان والظروف والملابسات الإنسانية في أي موقع عمل وبأية أداة تتجاوز الخطوط الحمراء لالتزام وطن تجاه ضيوفه وبنيه، وارتباط أمة بعادات وتقاليد وعقيدة شعب لا تخطئها عين، ولا تهملها بصيرة.

لقد تربعت مملكة البحرين على هذه المكانة الدولية وهي تدرك تمام الإدراك أن استمرار احتفاظ المملكة بهذه المكانة إنما يعكس ثقة المجتمع الدولي في النهج الحقوقي الذي تنتهجه البحرين، تمامًا مثلما تدرك أن بلوغ القمم قد يكون سهلاً إنما البقاء عليها ولمدة ثماني سنوات متصلة يعني دقة الإجراءات وإيمان القيادة والحكومة والشعب بأن حماية كرامة الإنسان لا يمكن لها أن تتحقق إلا لو كان التوافق والارتباط الحميمي بين ثمرة الرؤية الملكية لحضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم، والدعم والمتابعة المباشرة من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بوضع الإنسان في مكانة تليق به كأحد محاور التنمية المستدامة، وبناء بلاد الحضارة والتقدم على أسس لا تهمل حق، ولا تتجاهل دور، ولا تنسى رسالة.

إنه الوعد الحق الذي آلت إليه بلادنا وهي تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، الأصالة عندما نشأت مملكة البحرين و”شهد شاهد من أهلها”، بل ومن المتعايشين مع أهلها ليجد فيها المكان الأفضل للإقامة من بين مختلف دول العالم، هو نفسه ذلك الواقع الذي انتهج منهجية الوقاية والمعالجة، انطلاقًا من قيم أخلاقية وثقافة مجتمعية راسخة، بالإضافة إلى توفر منظومة مؤسسية متكاملة شملت الجانب التشريعي والوقائي والحمائي، والملاحقة القضائية والشراكة عبر قوانين متقدمة وإجراءات تواكب تطور الجريمة وتقيس مؤشراتها خاصةً في بيئة العمل.

مملكة البحرين لم تحصل على تلك المكانة الدولية المرموقة في مكافحة الاتجار بالبشر إلا وأن لديها تكاملًا مؤسسيًا عاكسًا لذلك التنسيق، وتلك المتابعة مع مختلف الجهات الحكومية، خصوصًا وزارة الداخلية التي أخذت على عاتقها إعداد وتجهيز منظومة متكاملة بأجهزة وإدارات فاعلة، من أجل دعم الجهود التي تسهم في تطوير بيئة العمل وحفظ حقوق الأطراف ذات العلاقة، ومن ثم التصدي للممارسات غير القانونية حتى تسود أجواء الوئام والسلام بين أطراف المنظومة الإدارية في سوق العمل، وتلك التي تتناغم مع روح الوفادة لدى مختلف المؤسسات والهيئات توافقًا ومواكبة مع إرادة قيادة، وصفات شعب، وتاريخ وطن.

 

*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية