العدد 6195
الثلاثاء 30 سبتمبر 2025
“السعودي” و“بسيسو” فراق إلى الأبد
الثلاثاء 30 سبتمبر 2025

رحلا في شهر واحد “سبتمبر” أو “أيلول” الملقب في ثقافتنا الجمعية العربية بـ “أيلول الأسود” نسبة إلى ما حدث من قتال دموي مروع بين الأشقاء في سبتمبر من العام 1970. شهر الرحيل الكبير وأيام الفجيعة الكبرى التي راح ضحيتها بعد ذلك الزعيم جمال عبدالناصر في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر، بالتحديد بعد أن جلس المتحاربان على مائدة مفاوضات عبثية في القاهرة، تم خلالها نزع أسلحة القادة والاتفاق على كلمة سواء.

عبدالله عمار السعودي، المصرفي العربي الكبير والرئيس المؤسس لأكبر وأهم مصرف عربي في ثمانينيات القرن الماضي، أي “المؤسسة العربية المصرفية”، رحل عن عالمنا بعد نحو أسبوعين من رحيل صديق عمره ورفيق دربه المهني المصرفي العربي والمفكر الاقتصادي ابن العروبة النابض الدكتور عدنان نور الدين بسيسو، كلاهما ربطتني بهما منذ شرخ شبابي وأول مشوار حياتي المهنية علاقات شخصية دفعت الأستاذ “بسيسو” إلى أن يلقبني بـ “ابنه الروحي”، وأنا بدوري كنت ومازلت أراه أبًا روحيًا أكثر من كونه إنسانًا وصديقًا فوق العادة.

في العام 1982 تعرفت عليهما، السعودي في شهر نوفمبر من ذلك العام، وكان من الصعب الالتقاء به أو التحاور معه، وفي الشهر نفسه قمت بزيارة مكتب الدكتور عدنان بسيسو عندما كان يشغل منصب المدير العام للبنك العربي الأميركي اللاتيني الذي كان قد أسسه رفيق دربه عبدالله السعودي كإحدى الأدوات التي أدت إلى تطبيع العلاقات المصرفية مع دول أميركا اللاتينية، باعتبار السعودي عراب المنطقة إلى اللاتينية، ومنذ ذلك الوقت وعلى مدى ربع قرن تقريبًا ربطتني بهما علاقة وثيقة، وثقة متبادلة، وأعمال داخل وخارج الحدود، وحوارات صحافية أحدثت ضجيجًا وأصابت أهدافًا وحققت آمالاً لصحافي في مقتبل العمر

منذ ذلك الوقت وحتى انفض الجمع، بالتحديد بعد أن ترك السعودي رحمة الله عليه رئاسة المؤسسة العربية المصرفية دون إرادته بضغط غربي ولأسباب غير مهنية، ثم ترك خلفه الدكتور بسيسو في عمله الخاص، بل إن كلا منهما ذهب إلى ذلك العمل الخاص دون إرادته بعد أن تمكنت المؤامرة الغربية من النيل من مؤسسات مالية كان لديها كل الأمل في أن تنافس على المستوى الدولي، بل وأن تقتلع شبح الإخفاقات العربية من جذورها المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا وشخصنة المواقع الوظيفية المصرفية.

قبل أيام رحل رمز الكبرياء المصرفي العربي عبدالله السعودي، وقبله بأيام رحل صديقه د. بسيسو، ولكل منهما في رقبتي شهادة حق لا يُراد بها باطل، ومواقف شتى لم يُكتب لها الديمومة.

ذات يوم اتصل بي أبوعادل أو الأستاذ عبدالله عمار السعودي، ليدعوني إلى غداء مع صديقه بسيسو، وكنا ثلاثتنا على مائدة واحدة في فندق الخليج، ووجهًا لوجه بعد أن حقق الغرب ما كان يريد، بل وبعد أن نالوا من “السعودي” ما كانوا يسعون إليه، “لا صيرفة عربية دولية”، “لا قرار عربي مستقل في قطاع المال”، ولا دور يُذكر لمن اعتبروهم ذات صلة بـ “لوكيربي”، وما أدراك ما “لوكيربي” في ذلك الوقت.

بعيدًا عن الأرض، وضعت الحرب النفسية أوزارها بعد سلسلة من المناكفات:

أولاً: تجميد أرصدة إحدى الشركات التابعة للمؤسسة العربية المصرفية وهي “الخدمات المالية العربية”.

ثانيًا: اعتبار أن رأس المال المدفوع لهذه الشركة ينتمي إلى الحكومة الليبية المتهمة في ذلك الوقت بالضلوع في أحداث سقوط الطائرة المدنية فوق مدينة لوكيربي الاسكتلندية.

ثالثًا: استقبلت المنطقة هذا القرار الأميركي من مكتب مصادرة الأموال الفيدرالي “الأوفاك” التابع لوزارة الخزانة الأميركية بمثابة الضربة القاصمة لرأس المال العربي في الخارج.

على الصعيد الإقليمي العربي، اعتبر مصرفيونا أن هذه القرارات مجحفة، وأنه لا صلة للمال الليبي بشركة الخدمات المالية العربية، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى وضوح الرؤية كاملة عندما خيرونا كعرب ما بين بقاء “السعودي” أو نهاية مؤسسته العملاقة “العربية المصرفية”، و.. بقرار بطولي ضحى عبدالله السعودي بمكانته ومنصبه وبنفسه بدلاً من أن يضحي بمؤسسته العملاقة التي بناها بالعرق والدموع والأهداف العربية النبيلة.

رحم الله عبدالله السعودي، شاهد على رحيل كبرياء، وحارس على تاريخ وطن.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .