العدد 6203
الأربعاء 08 أكتوبر 2025
مبادرة راقية تُجسد قيم الإسلام... لإسلام
الأربعاء 08 أكتوبر 2025

في زحمة الحياة وصخبها، قد تمر أمام أعيننا مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل من المعاني والقيم ما يفوق بكثير حجمها المادي أو بروتوكولها الرسمي، فمن بين هذه المواقف ما شهدناه مؤخرًا في جامعة البحرين، حين بادرت جمعية كلية الحقوق إلى تكريم العامل “إسلام” الذي ارتبط اسمه لسنوات بابتسامة صادقة وعطاء متفانٍ، قبل عودته النهائية إلى موطنه بنغلاديش.
هذه المبادرة لم تكن مجرد حفل وداع، بل رسالة عميقة في جوهرها، لأنها أثبتت أن القلوب النقية لا تنسى مَن عاش بينها بالخير والابتسامة، وأن التقدير لا يُمنح للمناصب والألقاب بقدر ما يُمنح للإنسانية والإخلاص والعمل الجاد. ولعل أعظم ما يجعلنا نقف عند هذا المشهد هو أنه يُجسد بوضوح ما جاء به ديننا الحنيف من دعوة صريحة إلى الوفاء والإحسان، فقد قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، وفي الحديث الشريف يقول رسول الله “لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ النَّاسَ”، أليس هذا التكريم صورة من صور شكر الناس وتقدير عطائهم؟ أليست هذه هي القيم التي لو عملنا بها لأصبحنا أكثر تماسكًا ورحمة فيما بيننا؟
لا شك أن بعض المبادرات قد تبدو في ظاهرها متواضعة، لكنها تُحدث أثرًا يفوق مبادرات كبيرة يُنفق عليها الكثير من المال. والسرّ في ذلك أنها صادقة، تمسّ القلوب مباشرة، وتُعيد إلينا الثقة بأن الخير لا يزال حاضرًا في المجتمع. إن المبادرة التي أطلقتها الجمعية انطلقت من قلوب الطلبة، وتحولت إلى لفتة جماعية، فكانت بمثابة درس حيّ في المحبة والوفاء.
إن تكريم “إسلام” ليس تكريمًا لشخص واحد فقط، بل هو تكريم لكل إنسان بسيط يعمل بإخلاص وتفانٍ، وربما لا ينتبه إليه كثيرون. وهو في الوقت نفسه رسالة لنا جميعًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بمركزه الاجتماعي أو وظيفته، بل بما يقدمه من أثر طيب وسيرة عطرة. ولعل الأجمل أن هذه المبادرة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، ونشرتها الصحف المحلية لتُلهم كثيرين وتفتح باب التفكير في مبادرات مشابهة. وهذا ما نحتاجه في وقتنا الحاضر: أن نُحوّل مبادئ ديننا وقيمنا الأخلاقية إلى واقع معاش، لا أن تبقى مجرد نصوص نقرأها أو دروس نسمعها.
لقد قال رسول الله “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”، فما أروع أن نترجم هذا الحديث الشريف بأفعال واقعية، مهما بدت صغيرة، لكنها خالصة لله، وتُدخل السرور على القلوب. إننا بحاجة إلى أن تتحول مثل هذه المبادرات من فعل فردي أو جماعي محدود، إلى ثقافة عامة تشمل المدارس والجامعات والمؤسسات. فإذا كنا نحتفي بالمتميزين أكاديميًا أو مهنيًا، فإن من الوفاء أن نحتفي كذلك بكل مَن عمل بصمت وأخلص في أداء واجبه.
تبقى هذه المبادرة الراقية نموذجًا لما نحتاجه في حياتنا: مبادرات تنبع من إنسانيتنا وديننا، تُحيي فينا قيم الرحمة والوفاء، وتذكرنا بقول رسولنا الكريم “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فلنجعل من هذه المواقف محفزًا لنكون أوفياء، محسنين، شاكرين، حتى يظل مجتمعنا متماسكًا، تسوده المحبة والرحمة والإنسانية.
الخلاصة.. المجتمع البحريني عُرف عبر تاريخه بروح التكافل والتآزر، والاحتفاء بالقيم الإنسانية النبيلة، صغيرها وكبيرها. وما هذه المبادرة إلا امتداد لذلك الإرث الأصيل، ودليل على أن في هذه الأرض الطيبة من يغرس الخير ويحتفي بالوفاء، ليبقى وطننا مثالاً يُحتذى في الإنسانية والأخلاق الكريمة. سنرحل ويبقى الأثر.

كاتب وإعلامي بحريني 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية