العدد 6198
الجمعة 03 أكتوبر 2025
روح القانون زهير توفيقي
زهير توفيقي
الرياضة.. قيم تتجاوز المستطيل الأخضر
الجمعة 03 أكتوبر 2025

أثبتت إدارة نادي ريال مدريد الإسباني، مرة أخرى، أن الرياضة ليست مجرد منافسات ونتائج وألقاب، بل هي قبل كل شيء قيمة إنسانية سامية ورسالة حضارية راقية.

فقد استقبل النادي الملكي الشاب المغربي عبدالرحيم أوحيدا، أحد المتضررين من زلزال الحوز المأساوي الذي أودى بحياة عدد من أفراد أسرته. هذا الشاب سبق وأن ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية بعد الزلزال الذي فقد فيه عائلته وهو يرتدي الزي الخاص لريال مدريد. نادي ريال مدريد العريق تعامل مع الطفل بشكل مثالي ودعاه إلى إسبانيا وساعده على الدراسة وضمه لأكاديمية النادي، قبل تكريمه في البرنابيو ومنحه فرصة مميزة لتنفيذ ركلة البداية قبل مباراته أمام إسبانيول. هذه اللفتة البسيطة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، لاقت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، لأنها أعادت التذكير بجوهر الرياضة الحقيقي.

لقد أكدت هذه المبادرة أن الرياضة قادرة على أن تكون بلسمًا للجراح، ورسالة أمل للمكلومين، وأنها لا تُختصر في الفوز والخسارة أو الألقاب والبطولات. فحين يلتفت نادٍ بحجم ريال مدريد إلى شاب عادي، منحته الظروف المأساوية حضوراً استثنائياً، فإنه يرسل للعالم كله رسالة تقول: “نحن معكم، لسنا بعيدين عن آلامكم”، هذه المبادرة لا تصنع الفرح فقط، بل ترسخ الثقة بأن الرياضة يمكن أن تكون لغة عالمية للتعاطف والتضامن. والمؤسف أن هذه الثقافة مازالت بعيدة عن كثير من أنديتنا العربية، التي تحصر اهتماماتها في النتائج والمراكز والصفقات، متناسية أن الجانب الإنساني هو ما يمنح الرياضة مكانتها الحقيقية في وجدان الناس. فما الضير في أن تستنسخ أنديتنا الخليجية والعربية مثل هذه المبادرات الجميلة؟ فهي لا تتعارض مع هويتنا، بل تنسجم تمامًا مع قيم ومبادئ ديننا الإسلامي الحنيف، الذي يحض على الرحمة ومواساة المنكوبين ودعم المحتاجين. 

 إن الاحتراف الحقيقي لا يُقاس فقط بالمهارة داخل الملعب، بل بالقدرة على تجسيد القيم الإنسانية خارجه.

ولا يقتصر البعد الإنساني للرياضة على الأندية والإدارات، بل يشمل أيضًا الجماهير التي لطالما كانت في طليعة التضامن مع القضايا العادلة. فمدرجات الملاعب في أوروبا والعالم لم تتوقف عن رفع لافتات الدعم لفلسطين، أو التعبير عن رفض الحروب والتمييز والعنف. هذه الجماهير أدركت أن صوتها الموحّد أقوى من كل الضغوط، وأن الرياضة يمكن أن تتحول إلى منبر عالمي يفضح الظلم ويعلي قيم الحرية والعدالة. إن هذا الدور الجماهيري يؤكد أن الرياضة ليست معزولة عن هموم الناس، بل هي امتداد لهمومهم وأحلامهم ومعاركهم من أجل الكرامة الإنسانية.

إن مثل هذه المبادرات، سواء من الأندية أو الجماهير، تمنح الرياضة روحها الحقيقية، وتحوّلها من مجرد صناعة جماهيرية ضخمة إلى رسالة إنسانية عالمية. فالتاريخ لا يتذكر فقط من فاز بالكؤوس ومن خسر المباريات، لكنه يتذكر أكثر أولئك الذين جسّدوا الأخلاق والمبادئ السامية وتركوا بصمة في قلوب الناس. وكما قال أحد الرياضيين العظماء: “الرياضة لا تصنع الشخصية، بل تكشفها”. وها نحن اليوم أمام نموذج يكشف الوجه المضيء للرياضة: وجه إنساني، أخلاقي، جدير بأن نقتدي به جميعًا.

ومن هنا، فإن الواجب يحتم على الأندية الخليجية والعربية أن تتجاوز الطابع التقليدي للرياضة، وأن تدرج في استراتيجياتها برامج إنسانية واجتماعية ثابتة، لا تقتصر على مبادرات عابرة مرتبطة بحدث أو ظرف. فالمؤسسة الرياضية الناجحة هي تلك التي تصنع الفرح في قلوب جماهيرها داخل الملعب، وتزرع الأمل والتعاطف خارجه، لتبقى رسالتها خالدة وأثرها ممتدًا في المجتمع.

 

*كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .