الفلسفة، أم العلوم وقاطرة الفكر في تطوره وانفتاحه وبوابة القبول بالاختلاف والتنوع، وترسيخ للغة الحوار لمواجهة التحديات المطروحة أمام البشرية، بلغة العقل والتحليل والانفتاح. لذلك نتساءل عن مبرر إثارة التوجس من الفلسفة ومن الفكر الفلسفي عندنا؟ فإذا كانت الفلسفة أكثر المجالات إذكاءً للملكة النقديّة، فإنّها في بلاد العرب، الأكثر تهميشا في سياق العلوم الإنسانية. مع أن الفلسفة ضرورة لإدراك الذات وفهم الآخر وسط تفاقم الأزمات المرتبطة بسيطرة قيم السوق على المجتمعات. فالإنسانيات تلعب دورًا أساسيًّا في إحياء قيم العدالة والتضامن الإنساني والاندماج والتحفيز على النقاش والنقد، على نقيض قيم الخضوع والتنميط التي تُراهن ثقافة السوق على ترسيخها لتكريس سيطرتها على المجتمعات.
وحتى إذا رجعنا إلى سياق الحضارة العربية الإسلامية، فإن علم الكلام كان تعبيرًا عن حاجة فكرية ضرورية، وتكريسًا للحرية والتعددية الفكرية والاجتهاد. لذلك عندما أقفلت الأبواب على مصادر العقلانية بغلق باب الاجتهاد وتحجير التكلم -انكفأت الحياة العلمية والفكرية والسياسية معًا - وساد الجهل وخرجنا من دائرة الفعل الحضاري، وأنفقنا جل جهدنا في التقليد والحفظ والتكرار.
إن طريقنا إلى الحرية يمرّ حتمًا عبر تجاوزنا هذا التصوّر الجامد، من خلال إعادة الفعل للإنسان تجاه النزعات القدرية، والإعلاء من شأن العقل للتمييز بين الحسن والقبيح، وتجاوز الظواهر إلى العمق، والإقرار بأن الحقيقة نسبية ومتطّورة، والحرية تتعارض مع النظرة الحرفية في الفهم والقراءة والمقاربة والتفسير والتأويل والاستنتاج.
أما أحادية الفكر فتؤدي حتمًا إلى الجمود وتضييق الفسح المتاحة أمام العقل الإنساني، وتخطئة المخالف لنا في الرأي، وتكفيره وإقصائه، بينما الفكر متجدد، والمقاربات متعددة والمداخل لا حدود لها، والتأويل إمكانات واحتمالات متناقضة ومتكاملة في تنوعها وتجددها، فلا مجال للرأي الواحد القاطع الحاسم.
إن الأسئلة في الفلسفة تبقى أهم من الأجوبة، فكل جواب يطرح بدوره احتمالات أسئلة أخرى لا محدودة. لذلك يبقى السؤال محو عملها، والتعصّب لا ينشأ إلا من الاعتقاد بوجود حقائق نهائية مطلقة وثابتة لا يشوبها الشك. فهذه النظرة الإطلاقية تؤدي إلى الاستبداد بالرأي، وإلى التعصب، وهي التي تحاكم المثقفين والمفكرين وكتبهم بسبب تأويلاتهم الخاصة.
*كاتب وإعلامي بحريني