بعض ما أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا جعل العديد من أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية يتساءلون عن طبيعة هذه التحولات ومآلاتها وأثرها عليهم. حيث أصبحت في مواقفها أقل ثباتا وفي تحالفاتها أقل استقرارا ووضوحا وفي مبادئها أكثر تخبطا. ويعتبر دعم تهجير الفلسطينيين من أرضهم بعد أن دمرتها إسرائيل وشوهت مظاهر الحياة فيها، مؤشرا واحدا لهذا التخبط في السياسة الخارجية. والعجز عن إعادة ترتيب شؤون العالم، وعدم التوصل إلى وضع أسس مستقرة لنظام دولي عادل متوازن محكوم برؤية يقبل بها العالم، ما أفضى إلى تآكل الدور القيادي للقوة الأكبر في العالم، والتي بالرغم من تفردها في القوة مازالت تلوك في مرارة، لا تخلو من الادعاء، من هبوط هيمنتها وتأثيرها السحري بموازاة ازدياد حضورها العسكري.
والسبب في ذلك يعود إلى عدم امتلاك رؤية أبعد من مغريات جلب المصالح المباشرة والحسابات الضيقة والصفقات المربحة، بما في ذلك تجاهل حقوق شعب كامل مثل الشعب الفلسطيني وتجريده من إنسانيته، على حد وصف الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش مؤخرا.
المفارقة اليوم، أنه وفي الوقت الذي تتحرك فيه السياسة الخارجية الأميركية بقوة كبيرة، ويزداد ضغطها على الحلفاء والأصدقاء والخصوم، يتراجع سحرها وتأثيرها في أرجاء العالم، ويزداد حجم الرفض لسياساتها ومواقفها.. لأنها بهذه السياسة، لم تعد تقود العالم، إنما تهيمن عليه فقط، وتتسبب في ارتباك شامل يهز أركان القانون الدولي والتعايش السلمي والتضامن الإنساني بين البشر وتجاوز الحدود المستقرة.
ولا شك أن مجرد امتلاك القوة ومفاجأة العالم بمثل هذه القرارات والتصرفات غير المعهودة، لا يخلق رؤية مطلقا ولا يحقق قيادة كتلك التي عبر عنها جيفرسون في حلمه ببناء جمهورية فاضلة على طريقة اليونان القديمة. وذلك بسبب العجز عن حل المشكلات وفق منطق عادل، وبعيدا عن ازدواجية المقاييس.
إن العالم يشهد حاليا نهوضا للقوى الوسطى، في أوروبا والهند والصين وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها... وتحاول أميركا عرقلته من دون نجاح كبير، لذلك ليس مستبعدا على المدى القريب أن تتبادل أوروبا ذات الرؤية الطموحة والصين ذات الاقتصاد الهائل، المواقع مع الولايات المتحدة الأميركية، بسبب افتقارها الرؤية والقدرة على الاضطلاع بمسؤولياتها العالمية كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية هائلة بعدالة اتساقا مع الرأسمال الرمزي الذي قامت على أساسه هذه الدولة العظمى.
كاتب وإعلامي بحريني