في مشهد حضاري يعكس إنسانية المجتمع السعودي، أطلق كورنيش الخبر مبادرة لافتة بتخصيص أماكن مزوّدة بالماء والطعام، مهيأة بشكل آمن للقطط والطيور والحيوانات الصغيرة. مبادرة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات عميقة على وعي المجتمع بأهمية الرحمة بكل المخلوقات، وتجسّد قيمًا أصيلة دعا إليها ديننا الحنيف. إن الإسلام دين رحمة وعدل، ولم يحصر الإحسان في حدود التعامل بين البشر فحسب، بل وسّع دائرته ليشمل الكائنات جميعًا. فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله: “في كل كبدٍ رطبة أجر”، أي أن الإحسان إلى أي كائن حي، حتى لو كان طيرًا أو حيوانًا، ينال صاحبه الثواب والرضا الإلهي، بل إن النصوص النبوية جاءت لتؤكد أن الرحمة بالحيوانات مقياس لإنسانية الإنسان، إذ رُوي أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، وفي المقابل غُفر لرجل سقى كلبًا يلهث عطشًا، فشكر الله له.
مثل هذه المبادرات لا تمثل ترفًا اجتماعيًّا، بل هي صورة من صور التحضر الذي يجب أن تسعى إليه مجتمعاتنا، فهي تسهم في تقليل معاناة الحيوانات الضالة، وتحافظ على التوازن البيئي، وتحد من المشاهد المؤسفة التي نراها أحيانًا لحيوانات تهيم عطشًا أو جوعًا في شوارعنا.
في البحرين، يمكن لمثل هذه الفكرة أن تجد أرضًا خصبة للتطبيق، لو توفرت الإرادة. إذ يمكن لوزارة شؤون البلديات والزراعة أن تخصص نقاطًا في الحدائق العامة والكورنيش، يتم تجهيزها بحاويات آمنة للطعام والماء، مع صيانتها بشكل دوري. كما يمكن لمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات البيئية أن تتبنى برامج تطوعية لتعبئة هذه النقاط بشكل منتظم، بمشاركة الأهالي والطلاب.
بل وحتى الشركات الخاصة يمكن أن تساهم في رعاية هذه المبادرات ضمن برامجها المختلفة في المسؤولية الاجتماعية.
ولكي لا تتحول المبادرة إلى عبء أو فوضى، من المهم أن تتم إدارتها وفق معايير واضحة، إذ يجب اختيار مواقع بعيدة عن أماكن الازدحام والمطاعم، ووضع لافتات توعوية تشجع على المشاركة وتوضح السلوكيات الصحيحة.
إن مبادرة كورنيش الخبر ليست مجرد محطة لتقديم الماء والطعام، بل رسالة إنسانية تذكرنا بأن الرحمة قيمة لا تتجزأ، وبأننا مسؤولون عن كل مخلوق يعيش معنا على هذه الأرض. وهي في الوقت نفسه فرصة لتعزيز روح التطوع والمسؤولية في المجتمع، خصوصًا بين الشباب، إذ تزرع فيهم معاني الإحسان والعطاء دون انتظار مقابل.
كما أن هذه المبادرة تأتي ضمن زرع ثقافة التربية الصالحة في أطفالنا التي نفتقدها مع الأسف الشديد.
لعل الوقت حان لأن ننقل هذه الفكرة إلى شواطئ البحرين وحدائقها، لنكون قدوة في الرحمة والوعي البيئي، ونجعل مدننا أماكن صديقة للحياة، حيث يعيش الإنسان والطبيعة في انسجام يليق برسالة الدين وقيم الإنسانية.
أتذكر جيدًا أنني شاهدت نفس الفكرة في تركيا، وقد رأيت كيف أن الأطفال كانوا يساهمون في هذا العمل الإنساني من خلال وضعهم مبلغا زهيدا مقابل الحصول على الطعام من الجهاز الموضوع في الحديقة، وهذه أيضًا فكرة رائعة لتعويد الأطفال على هذه الممارسات الصحيحة والمساهمة في عمل الخير.
ولا شك أن هناك الكثير من الأفكار والمبادرات الرائعة في جميع دول العالم، ولا ضير في نسخ تلك الأفكار النيرة، وبعضها بسيطة للغاية وسهلة التنفيذ. والله من وراء القصد.
كاتب وإعلامي بحريني