أصدر المجلس الأعلى للبيئة القرار رقم (4) لسنة 2025 بشأن تنظيم ترخيص الصياد البحريني لممارسة الصيد التجاري، وهو قرار يستحق الإشادة والتأييد لما يحمله من أبعاد استراتيجية تصب في مصلحة الوطن والمواطن على حد سواء. لقد جاء القرار كخطوة متقدمة لحماية الثروة البحرية من الاستنزاف وضمان استدامتها للأجيال القادمة، مع تعزيز دور المواطن البحريني في مهنة الصيد وتحويلها إلى قطاع أكثر مهنية وتنظيمًا. وما يلفت الانتباه أن هذا التوجه لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لجهود الحكومة في المحافظة على الموارد الطبيعية وتنمية الأمن الغذائي وتحقيق التوازن البيئي.
ولعل من أبرز ما يميز القرار أنه يضع شروطًا واضحة للترخيص، تضمن جدية المهنة وتنظم ممارستها، بدءًا من تحديد أعمار الصيادين، مرورًا بملكية وسيلة الصيد، وانتهاءً بمتطلبات النزاهة والسجل القانوني النظيف للمتقدم. كما حدد القرار آلية شفافة للتقديم عبر البوابة الوطنية Bahrain.bh، ما يسهل الإجراءات ويجعلها أكثر عدالة. في المقابل، جاءت أهداف القرار كذلك متكاملة؛ فهو لا يقتصر على تنظيم المهنة، بل يضع في اعتباره حماية المخزون السمكي، ومواجهة الصيد الجائر والممارسات غير القانونية، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، وغرس قيم المهنية والانضباط في نفوس الشباب البحريني، بل وفتح الباب أمامهم لفرص عمل جديدة تعزز ارتباطهم بتراث البحر.
إن البحرين، كدولة جزرية، ارتبطت حياتها بالبحر على مر التاريخ، وكان الصيد جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع البحريني. واليوم، يأتي هذا القرار ليوازن بين الحفاظ على هذه الهوية وحماية الموارد الطبيعية في آن واحد، من خلال تنظيم دقيق لا يترك المجال للاجتهادات الفردية التي قد تضر أكثر مما تنفع.
لذلك، فإن دعم هذا القرار يعد واجبًا وطنيًّا ليس فقط من الجهات الرسمية، بل من الصيادين أنفسهم، ومن عموم المجتمع الذي سيجني ثمار هذه الخطوة على المدى البعيد، سواء في استدامة الغذاء أو في تعزيز قيم العمل المهني واحترام البيئة البحرية.
وأقترح إنشاء مركز تعليمي تنظم فيه دورات تدريبية في الصيد البحري وأخرى في مجال السلامة البحرية وغيرها. فوزارة التجارة والصناعة، ووزارة الداخلية، والمجلس الأعلى للبيئة من الجهات الرئيسة المسؤولة، وغيرها من الجهات والهيئات التي تعنى بشؤون البيئة البحرية، ووضع برنامج متكامل لهذا المركز المقترح على سبيل المثال وليس الحصر. كما لابد أن يكون هناك التزام ورقابة صارمة، وكذلك فرض غرامات مالية على المخالفين. وهنا يكتمل القانون الجديد، مثمنًا جهود الحكومة الحثيثة ممثلة في المجلس الأعلى للبيئة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
كما أن البحرين تحتاج إلى زيادة الأنشطة والبرامج والخدمات المتعلقة بالسياحة البحرية، فهي بإمكانها أن تتصدر قائمة الدول في المنطقة، لذا عليها أن تعمل جاهدة في هذا الاتجاه الذي سيكون رافدًا رئيسًا لدعم الاقتصاد الوطني. كما أتمنى أن تبادر وزارة السياحة وبالتعاون مع القطاع الخاص بإنشاء مركز للأسماك والحياة البحرية (Aquarium) ليكون من الوجهات السياحية المميزة، بالإضافة إلى كونه مركزًا تعليميًّا للطلبة. والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لا نملك هذا النوع من المشاريع في بلادنا، حيث إن جميع دول العالم تحرص على إنشائها وتعد من أنجح الوجهات السياحية خصوصًا للأطفال. فوجود هذا المرفق سيمثل نقطة جذب للسياحة العائلية.
الخلاصة.. شخصيًّا أعتبر أن هذا القرار خطوة رائدة نحو ترسيخ مفهوم التنمية المستدامة، وإعادة الاعتبار لمهنة الصيد كرمز للهوية البحرينية، ورافد لتحقيق الأمن الغذائي، ومجال واعد للشباب البحريني.
*كاتب وإعلامي بحريني