العدد 6171
السبت 06 سبتمبر 2025
روح القانون زهير توفيقي
زهير توفيقي
التعليم.. صدقة جارية تتجاوز الأجيال
السبت 06 سبتمبر 2025

يُعد التعليم الركيزة الأهم في بناء الحضارات، فهو ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة والمهارات، بل هو أداة لتشكيل العقول وصناعة الأجيال القادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصنع مستقبل أفضل، فالأمم التي استثمرت في التعليم وجودته فأصبحت في طليعة الدول تقدمًا، بينما بقيت الشعوب التي أهملت التعليم رهينة التخلف والجمود. وقد وصلني عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع قصير، لكنه ترك أثرًا عميقًا في نفسي، حيث يظهر فيه رجل أوروبي – لا أعرف من أي بلد – وهو يزور مدرسة متواضعة في إحدى القرى النائية بكينيا، مدرسة بلا أبواب ولا نوافذ، لا أقلام ولا كتب، ولا حتى كرة قدم تسعد الأطفال في أوقات فراغهم. المكان يفتقر أبسط مقومات التعلم، ومع ذلك، حين سأل الرجل عن رسوم الدراسة ليكفل يتيما، أجابه المدير بثقة: “التعليم هنا مجاني رغم كل الصعوبات”. هنا جاءت المفاجأة، إذ لم يكتفِ الزائر بالمشاهدة أو بكلمات الإعجاب والمديح التي لا تغني ولا تسمن من جوع،  بل مدّ يد العون مباشرة، وتبرع بمليون شيلينج كيني، أي نحو 7700 دولار أميركي، ليكون بذلك شعلة أمل لهؤلاء الأطفال.

هذه المبادرة البسيطة تفتح الباب لتأمل أوسع: كم من أموالنا تُنفق على تكرار نفس أشكال العمل الخيري التقليدي – من ولائم موسمية إلى حملات متفرقة – بينما يبقى التعليم، وهو الركيزة الأساسية لنهضة الأفراد والمجتمعات، بعيدًا عن دائرة الاهتمام؟

التبرع لدعم التعليم ليس مجرد إحسان آني، بل هو استثمار طويل الأمد. طفل اليوم الذي يتعلم رغم الفقر، قد يصبح غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا ينهض بمجتمعه بأكمله. وأية صدقة أعظم من تلك التي تزرع العلم وتغير حياة أجيال متعاقبة؟ قال أمير الشعراء، أحمد شوقي: “العلم يبني بيوتاً لا عماد لها... والجهل يهدم بيت العزِّ والكرم.

لقد أثبت ذلك الزائر أن المبادرة الفردية، مهما كانت بسيطة، قادرة على صنع فرق حقيقي. فربما لا نستطيع تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نُحدث فرقًا عميقًا في حياة شخص واحد، أو مدرسة صغيرة، أو مجتمع ناءٍ.. وكل خطوة في هذا الطريق تفتح آفاقًا أكبر للتغيير.

فلنُعِد التفكير في أولوياتنا الخيرية. فدعم مشروع تعليمي صغير في قرية بعيدة قد يكون أحيانًا أعظم أثرًا من بناء صرح جديد في مدينة مزدحمة، فالعلم هو الصدقة الجارية التي تبقى، وتثمر، وتكبر، حتى بعد أن نغادر هذه الحياة.

إن التعليم يفتح آفاق الفكر، ويُنمّي قيم الإبداع والابتكار، ويُعزز الوعي بالحقوق والواجبات، ما يؤدي إلى قيام مجتمع متماسك قادر على التطور، وهو أيضًا البوابة الأساسية للتنمية الاقتصادية، حيث يمدّ سوق العمل بالكفاءات، ويشجع على البحث العلمي الذي يُسهم في تحسين الإنتاجية ورفع مستوى المعيشة.

كما يلعب التعليم دورًا أساسيًا في ترسيخ القيم الإنسانية، مثل التسامح والعدل والمواطنة الصالحة، ما يُسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فعندما يزداد وعي الأفراد وتُصقل مهاراتهم، يصبحون شركاء حقيقيين في بناء الدولة وتطوير مؤسساتها.

فالتجارب العالمية تثبت ذلك؛ فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية لم تنهض إلا بعد أن جعلت التعليم أولوية قصوى، فحققت قفزات اقتصادية وحضارية هائلة رغم محدودية مواردها الطبيعية.

من هنا، يصبح واجب الحكومات والمجتمعات معًا الاستثمار في التعليم، ليس فقط بتطوير المناهج والبنية التحتية، بل أيضًا بدعم المعلمين وتأهيلهم، وتشجيع البحث والابتكار، وتحفيز الطلاب على التميز، لأن المستقبل لن يكون إلا للأمم التي تجعل من التعليم سلاحها الأقوى.

قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ).

 

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .