العدد 6173
الإثنين 08 سبتمبر 2025
خربشات في الذاكرة (2)
الإثنين 08 سبتمبر 2025

فجأة سكت، ظل واجمًا، عيناه تحدقان في سقف الغرفة، يكاد لا يشعر بوجود الطبيب أمامه، وجهه متيبس كأنه قطعة من حجر جبلٍ بنيِّ.. أشعث، شعره أشيب مبعثر، يوحي بعدم الاهتمام بالمظهر، بعكس ما كان عليه في السنوات السابقة من ترتيب وعناية وأناقة.

قال الطبيب:

- دعنا نراجع ما الذي لا تزال تتذكره اليوم، حصيلة الكلمات والأسماء والذكريات، حتى نشخص الحالة بالضبط؟ إنه تمرين التذكّر قبل أن أكتب التقرير النهائيّ.

كرّر الطبيب طرح الأسئلة المعتادة التي سبق له طرحها في الجلسات السابقة وكأنه يدربه على حفظ جدول الضرب:

- هل ما زلت تتذكّر اسم فلان وفلانة؟ ماذا تفعل عندما تنهض من النوم في الصّباح؟ هل تعرف وجهتك عندما تخرج من البيت؟ متى وإلى أين؟

ردّ على بعض الأسئلة بلا مبالاة بادية، وتجاهل البعض الآخر: “هذه أسئلة كثيرة، لا أستطيع الإجابة عنها. أتذكر بعض الأشياء وأخرى لا أتذكرها مع أنها تحوم في دماغي ولا أجد الكلمات لأخرجها!”.

قال الطبيب:

- حدثني عن الأشياء والأسماء والصور التي لا تزال تتذكرها، من دون ترتيب.

غمغم بصوت متقطع: “الصور غائمة.. تذكّر الأسماء أصعبها، يحرجني يوميًّا مع الأهل ومع الناس في الشارع، وعندما ألتقيهم أعرفهم وأتذكر وجوههم وأصواتهم، ولكن لا أعثر على أسمائهم إلا قليلًا منهم.. اسم الجدِّ علي لا أنساه.. صالح، سالم، أمّي، خالتي، خالي، وصديقي نوّار.. هذه الأسماء لا تزال عالقةً في دماغي، ساكنة في داخلي، لن أنساها، حتى لو فقدت عقلي”.

الأسماء التي تسألني عنها لم أعد أتذكرها تقريبًا. صورة لا تزال عالقة في ذهني، وأراها كل مساء، كنت أطير من فوق البناية الزرقاء، كطائر أبيض يفتح جناحيه فوق الجموع المحتشدة!”.

قال الطبيب وكأنه يحدّث نفسه:

- قد يكون بعض النسيان مفيدًا، يحررنا من الوجع والألم. قد تكون محظوظًا بنسيان بعض تلك الأسماء، من يدري! كل أمر تنساه تنسى معه وجعًا.

أضاف الطبيب معبرًا عن نوع من الانزعاج:

- لقد تأخرت طويلًا عن الموعد. من الواضح أنك لا تتناول الأدوية، هذا ما يفسر تدهور حالتك.

رد بهدوء وكأنه غارق في حلم بعيد: “بالعكس أشعر بأني في أحسن حال. لا تقلق أيها الطبيب المحترم.. أشعر أنني أحسن حالا عندما أنسى كل الأشياء”.

 

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .