العدد 6166
الإثنين 01 سبتمبر 2025
تجاذبات الهوية وتحدياتها (1)
الإثنين 01 سبتمبر 2025

تخضع الهويات الوطنية الثقافية إلى مؤثرات وتجاذبات مختلفة عدة، يتواجه فيها عاملا التفتح والمحافظة، ويستقر الأمر في الحالات العادية إلى نوع من التوازن بين الحفاظ على ثوابت الهوية، والانفتاح المفرط الذي يتحول إلى حالة اغتراب.. وتلعب الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية دورا محوريا في خلق التوازن المنشود بين بعدي التفتح والمحافظة، وقد يكون دور المؤسسة التربوية هو الأكثر أهمية لمحوريته في تكوين الناشئة، لكن هذه المؤسسة تخضع اليوم إلى ضغوط عديدة تجعل منها محطّ الأنظار والآمال، فهي تتحرك في اتجاهات متعددة، تحت ضغط المجتمع والإعلام، وبين التطلعات المجتمعة المتعارضة في بعض الأحيان، فالأسرة تعتبر المدرسة مسؤولةً مسؤوليةً كاملة ومتعددة عن أبنائها روحاً وجسداً ومعرفةً وقيماً.. والمجتمع لا يزال ينظر إلى المدرسة باعتبارها حمّالة قيم وفق رؤى وأنماط وتطلعات مختلفة إلى حدّ التعارض، فيما تطالب مراكز الدراسات والبحوث والمؤسسات الاقتصادية المدرسة بأن تعمل في اتساق كامل معها لتلبية احتياجات سوق العمل من الأيدي العاملة الماهرة. كما يمارس الإعلام الاجتماعي ضغطاً من نوع آخر، في ظل الثورة الإعلامية المتدفقة والتي تحمل في طياتها ثقافات وقيماً وأساليب حياة قد تتفق أو تختلف مع قيمنا وأساليب حياتنا وتجعل المجتمع والمدرسة مضطرين معاً إلى إعادة النظر في العديد من الجوانب المتصلة بالقيم والمهارات المطلوبة، وإعادة طرحها ومناقشتها من وجهات نظر جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات والتحديات الجديدة.
إن المجتمع الذي لا يمتلك أسباب قوة المعرفة وآليات التحكم فيها وتوظيفها في خدمة التنمية لن يكون بوسعه دخول حلبة التنافس في السوق العالمية للعمل والإنتاج والإبداع.
ومن هنا يُطرح عليه وعلى المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية التحدي الأكبر وغير المسبوق، ما يستدعي المزيد من الانفتاح على العالم وعلى التحولات المعرفية والرقمية التي تحمل بدورها قيما جديدة. فمن دون هذا الانفتاح لن يتحقق التقدم المنشود. إلا أن هذا الانفتاح، كي يكون فرصة للنماء والإثراء الذاتي، لابد أن يرتكز إلى قاعدة متينة من الهوية الثقافية والروحية والقيمية التي تحمي الأجيال الجديدة من الانزلاق نحو الدعوات العبثية إلى ما يشوه الإنسان ويمس كرامته. فإذا كان الانغلاق غير ممكن ويؤدي إلى التحجر، فإن الانفتاح المفرط وفقدان الثوابت يؤديان إلى الذوبان والتبدد، ما يطرح على الجميع مهمة تعزيز معادلة التوازن المنشود. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية