العدد 6155
الخميس 21 أغسطس 2025
“عاش يتمنى عنبة”!
الخميس 21 أغسطس 2025

في كل مرة يرحل عن هذه الدنيا أحد الأدباء أو المفكرين أو الفنانين العرب، ينبري المثقفون في الاحتفاء به ميتا، مع أنه في أغلب الأحيان قد يكون عاش جل حياته مهمشا مرهقا، وربما محروما من أبسط احتياجاته الإنسانية، وأبسط أنواع الدعم المادي والتكريم المعنوي. وقليل من هؤلاء المبدعين من نجا بنفسه، ليس بسبب إبداعه وإنجازه الأدبي والفكري، إنما بسبب ميراث حصن به نفسه، أو حرفة احترفها أو تجارة اشتغل فيها.
هذه العملية الهزلية المتوقعة مسبقا والمتكررة أصبحت من الاحتفالات المجانية المستفزة التي لا تباع فيها تذاكر للدخول، ولا يحضرها الجمهور، ويغيب عنها المكرَّمُ. فمع أن جل المبدعين في بلاد العرب الواسعة يبخسون في الغالب حقّهم المادي والمعنوي خلال حياتهم، ويحرمون من التقدير الذي يحتاجون إليه أحياء، فإن الجميع يسارعون إلى التعبير عن التقدير والاحترام والاجلال والإكرام، بعد أن يكون قد غادر ورقد بعيدا عن هذا العالم الغارق في الكذب والنفاق. المبدع الراحل - شاعرا أو قاصا أو ناقدا أو باحثا - كان خلال حياته المديدة يتمنى الحصول على “حبة من العنب.. واحدة”، يضعون على قبره، بعد الغياب، عنقودا كاملا من العنب، وربما يغرسون على القبر كرمة وارفة الظلال. وقد عبّر الأديب التونسي “عليّ الدّوعاجي” عن مثل هذه المفارقة الموجعة باللهجة العامية بقوله الشهير:
“عاش يتمنّى في عنبة... مات جابوا له عنقود، ما يسعد فنّان الغلبة... إلاّ من تحت اللّحــود”. تماما مثل المريض الذي يحتاج لألف دينار لإنقاذ حياته من مرض عضال، وعندما يموت ينفقون على مجلس العزاء عشرة آلاف دينار تقديرا لذكراه.
تقودنا هذه المفارقة التي يكاد يختص بها العرب الذين لا يعبؤون بالإبداع والمبدعين، إلى تأكيد حاجتنا إلى الاهتمام بالأحياء من الأدباء والكتاب والمبدعين في مختلف المجالات؛ لأنّ الأحياء هم من يحتاجون التقدير والرعاية والامتنان لهم ولإبداعهم أحياء يرزقون. الأحياء وحدهم قادرون على الفعل والتطوير والتغيير نحو الأفضل، خصوصا إذا كان المبدع قامة كبيرة وروحا فياضة وعقلا منيرا بمعاني الالتزام بقضايا مجتمعه وبالحرّيّة والإنسانية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .