لم يعد هناك من يشكك في طبيعة الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي ولا في ممارسته الإبادة الجماعية والترحيل القسري لأصحاب الأرض وممارساته اللاإنسانية غير المسبوقة في التاريخ المعاصر. فذاك أمر أصبح معلوما ومجمعا عليه تقريبا. لكن المسألة انتقلت إلى الغضب من السياسات الغربية - الأميركية خصوصا - المنحازة بشكل غير طبيعي إلى تلك الممارسات.
ويعد التصويت المتكرر في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة وجها من وجوه هذا الرفض الدولي لتلك السياسات المنحازة إلى إسرائيل بشكل مطلق. كما تمثل موجات ردود الفعل الشعبية في العالم ضد السياسات الإسرائيلية والسياسات المنحازة إليها والمستخفة بالحقوق الإنسانية والسياسية والقانونية للشعب الفلسطيني، وجها آخر لهذا الغضب الشعبي العالمي المتصاعد حتى داخل البلدان الغربية الأكثر انحيازا ودعما للسياسات الإسرائيلية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. هناك اليوم أصوات أميركية رافضة بشكل كامل تلك السياسات التي تتخذها الإدارات المختلفة عبر السنين وتحملها جانبا كبيرا من ردود الأفعال العدائية ضد أميركا في العالم.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب ستيفن كليمونز المحرر المشهور في صحيفة “ذي هيل - وهي المنصة الإعلامية السياسية الأكثر قراءة في أميركا - أن الغضب العالمي من السياسة الخارجية الأميركية على مر السنين أساسه “زهو النصر الأميركي بعد الحرب الباردة والانحياز الكامل للسياسات الإسرائيلية”. فأميركا – في نظره – “لم تفهم طبيعة العلاقات الدولية المستجدة ولا التفاوت الجذري بين نظرة الاستعلاء الأميركية ونظرة بقية الأمم والشعوب في العالم إليها، وهي لم تحاول تعديل موقفها بما يتلاءم وحقائق ما بعد الحرب الباردة، وظلت عاجزة عن استيعاب الحقائق السياسية في العصر الجديد، والمؤسسات الأميركية ظلت تتشبث بمفاهيم القوة والهيمنة الموروثة وغير المتلائمة مع التحديات العالمية الجديدة”.
ومع أهمية مثل هذا التحليل على صعيد بنية الأزمة الداخلية للنظام السياسي الأميركي، فإن الحقيقة أن الاستخفاف بثقافة الشعوب وهويتها وحقوقها قد تسبب في تعميق التطرف في العالم وبرر ردود الأفعال الغاضبة من هذه السياسة الاستعلائية. وهذا ما يفسر تنامي الرفض للسياسات الأميركية الخارجية المتسمة بالانحياز الأعمى للسياسات الإسرائيلية، ما يجعل صورتها تهتز في الرأي العام العالمي مع ما تمتلكه من قوة وقدرات هائلة على قيادة العالم.
*كاتب وإعلامي بحريني