العدد 6138
الإثنين 04 أغسطس 2025
استقلال المثقف
الإثنين 04 أغسطس 2025

 لماذا تظل علاقة المثقف بالسلطة (أية سلطة) لا تخرج عن احتواء أو استعداء، يتحول بموجب الأولى إلى حارس مرمى (مع مراعاة فروق التشبيه)، ويتحول في الثانية إلى معتلٍ لمنصة التهميش؟ ولكن ألا توجد مساحة ما بين الحالين، تجعل من المثقف منيرًا فاعلًا، وضميرًا حيًّا، يحدوه الصدق في القول والإخلاص في العمل؟
لقد بينت تجارب التاريخ القديم والحديث والمعاصر أن المثقف لن يكون في موقع المرشد الحكيم والمنير المستنير، إلا إذا كان “مستقلًّا” ليس بمعنى الغرق في الفردية والسباحة في منافع الذاتية، أو العزلة والجلوس على الربوة، بل المقصود هو الاستقلال عن الطمع والهوى، وامتلاك القدرة على الإنتاج والإبداع فيما يتميز به وفيه من علم أو فن ليفيد به المجتمع وينير به الطريق، ممارسًا للنقد والنقد الذاتي: النقد في موقع النقد والثناء في موقع الثناء.
المثقف لن يكون مؤثرًا إلا إذا كان مستقلا لا يحتكم سوى لضميره ووعيه، ولن يكون مستقلا إلا إذا كان مستور الحال، مقضي الحاجة، على حد قول أبي حيان التوحيدي: “لا تضطره الفاقة والعوز إلى إراقة ماء الوجه، والتكفف الفاضح عند الخاصة والعامة... وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم”. نبيّن على مدار التاريخ أنه كلما أعطت السلطة للمثقف المفكر والمبدع ما به يكون مستقلا وما يضمن استقلاله الفكري والإبداعي، أبدع أكثر وأنتج ما به ينفع وينتفع، ويتحقق الاستثمار بعقله وبفكره، بعلمه النافع وحكمته الراجحة. 
بدلًا من أن يكون مسلوب إرادة العقل، تروضه المطامع، وتراوده على نفسه.. فإذا ارتضى ذلك لنفسه، فلن يكون مفيدًا نافعًا لمجتمعه. وعندما يفقد مصداقيته لا تعود هناك حاجة له أو نفعٌ يُرتجى منه، لأنه يصبح اسمًا عاريًا عن كل حق، يناور ويساوم، علّه يظفر ما يؤثث به عزلته إذا ما اضطر للاعتزال كنجوم الكرة، ليستمتع بما ظفر به عبر الصولات والجولات، وبما يؤمن به ما بقي من عمره في المنطلق وفي المنتهى.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية