المجمعات التجارية فرص واعدة تتطلب استراتيجيات تطوير مستدامة
تحقيق البلاد: 7 مليارات دينار توقعات الإنفاق الاستهلاكي في البحرين 2025
-
التكنولوجيا تعيد تعريف تجربة التسوق عبر أنظمة الدفع الذاتي وتحليل البيانات
-
العلامات العالمية السر وراء تدفق الشباب إلى وجهات التسوق الحديثة
-
85 % من تراجع الإقبال على بعض المجمعات تغير أنماط التسوق
-
السينما والترفيه أبرز عوامل الجذب في تنافس المجمعات
-
مواقف السيارات المعركة الخفية وراء اختيار الزوار للمجمعات
في مشهد عمراني يشهد تطورا ملموسا، يصعب تجاهل النمو السريع في أعداد المجمعات التجارية في مملكة البحرين خلال العقدين الماضيين، مجمعات تجارية تزدهر في المدن، والضواحي بتصاميم عصرية، وأسماء بارزة، حيث أصبحت بعض هذه المجمعات محطات يومية مفضلة، بينما لا تزال أخرى تنتظر فرصتها لتلعب دورها في المشهد التجاري، مما يعكس ديناميكية مستمرة، وفرص، واعدة للنمو، والتطوير.
وسط هذا التنوع والازدهار، تظهر تساؤلات مهمة: ما العوامل التي تدفع بعض المجمعات إلى النجاح الباهر، بينما تواجه أخرى تحديات؟ وهل نحن أمام فرصة لإعادة التفكير في التخطيط والرؤية المستقبلية لتعزيز هذا القطاع الحيوي؟
نمو مستدام
تشهد مملكة البحرين نموًّا متواصلًا في قطاع المجمعات التجارية، الذي أصبح جزءًا أساسيًّا من النسيج الاقتصادي، للمملكة، ومع دخول عام 2025، عكست المؤشرات استقرارًا إيجابيًّا يُعزّز من فرص الاستثمار والتنمية في هذا المجال الحيوي، إذ أظهرت بيانات حديثة لمنصةStatista أن الإنفاق الاستهلاكي في البحرين يتجه نحو ارتفاع مستمر، مع توقعات بأن يصل إلى 18.56 مليار دولار في العام 2025، أي ما يُعادل الـ 7 مليارات دينار بحريني، مع متوسط دخل متاح للفرد يبلغ نحو 12,990 دولار، أي ما يُعادل نحو 4,885 دينارًا بحرينيًّا سنويًّا، مما يدعم الطلب على تجارب تسوق، وترفيه مميزة، وذلك بحسب تقارير للبنك الدولي.
ويواصل عدد من المجمعات التجارية الكبرى في البحرين ترسيخ مكانتها كوجهات مفضلة للزوار، بفضل مواقعها الاستراتيجية وتنوع المحلات، والخدمات المتكاملة التي تقدمها، الأمر الذي يعكس حجم النشاط التجاري، والإقبال المتزايد على هذه الوجهات الحيوية.
تحديات الإقبال المتغير
وعلى صعيد آخر، تشهد بعض المجمعات التجارية في قلب المنامة، تراجعًا ملحوظًا في الإقبال خلال السنوات الأخيرة، حيث أغلقت نسبة من المحلات أبوابها تُقدّر ما بين 75 إلى 85 %، نتيجة لتغير أنماط التسوق وتحول اهتمام المستهلكين نحو وجهات أكثر حداثة وتنوعًا، ورغم ذلك، فأن هذه المرحلة تُمثل فرصة واعدة لإعادة التقييم والتطوير، بما يفتح المجال أمام المستثمرين، وأصحاب المشاريع لإعادة إحياء هذه المواقع وتحويلها إلى مراكز متعددة الاستخدامات، من خلال إدخال مفاهيم تجارية مبتكرة، وتقديم خدمات جديدة، واستضافة فعاليات ثقافية، وترفيهية تواكب تطلعات الجيل الجديد من المستهلكين.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه البحرين بدأت بالفعل ببعض المبادرات المحلية لإعادة إحياء المجمعات أو المساحات التجارية القديمة، فعلى سبيل المثال، شهد مجمع مدينة عيسى عملية تطوير تدريجية شملت تحسين الواجهات، والمرافق لاستقطاب علامات تجارية جديدة، كما تم إطلاق مشاريع تحديث في محيط سوق المحرق القديم لتعزيز جاذبيته كموقع ثقافي، وتجاري معاصر، وتؤكد هذه النماذج أن التطوير الذكي للمواقع القائمة يمكن أن يسهم في استعادة مكانتها، وتحويلها إلى وجهات متعددة الاستخدامات تجمع بين التجارة، والترفيه، والخدمات المجتمعية.
هذا النهج في التطوير الذكي لا يعزز فقط من قيمة العقارات، بل يسهم كذلك في تعزيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص استثمارية جديدة في قطاع التجزئة البحريني.
وجهات للحياة الشاملة
وفي السياق ذاته، ووفقًا لتقارير CBRE (Coldwell Banker Richard Ellis) - شركة عالمية رائدة في مجال الاستشارات والخدمات العقارية التجارية، نما إجمالي المساحات التجارية بنسبة 12.7 % في 2024، مع استقرار معدل الإشغال عند نحو 68.9 % في بداية 2025، وهو مؤشر على قدرة السوق على استيعاب النمو المتوازن، خاصة مع المشاريع الحديثة التي تضيف قيمة مضافة للمشهد التجاري.
ويأتي هذا النمو في ظل بيئة اقتصادية داعمة، حيث حقق الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نموًّا بنسبة 2.4 % في 2024، مع استقرار نسبي في أسعار الإيجارات التجارية بعد تراجعها بنسبة 4.2 % في 2023، مما يعزز من فرص التوسع التجاري والاستثماري.
وفي تصريحات سابقة خلال العام 2025، أكدت غرفة التجارة والصناعة الفرنسية في البحرين أن الاقتصاد البحريني يُتوقع أن ينمو بنسبة 2.8 % مع تركيز واضح على تنمية القطاعات غير النفطية مثل التجارة، والخدمات، مدعومًا باستثمارات متنوعة، وجهود حكومية لتعزيز بيئة الأعمال.
كما أشار تقرير لشركة TechSci Research إلى نمو ملحوظ في سوق التجزئة البحريني، مدفوعا بزيادة القوة الشرائية للمستهلكين، وتوسع العلامات التجارية العالمية، والطلب المتزايد على التسوق عبر الإنترنت. وأكد التقرير أهمية تطوير المجمعات التجارية لتلبية احتياجات السوق المتنامية.
وبالإضافة إلى ذلك، يسلط تقرير 6 W Research الضوء على التوجه المتزايد نحو إدخال تقنيات البيع الذكية مثل أنظمة الدفع الذاتي وتحليل البيانات، مما يسهم في تحسين تجربة التسوق ويعزز من جاذبية المجمعات التجارية في البحرين.
تُظهر هذه المؤشرات، والتقارير التزام الحكومة والقطاع الخاص بتطوير قطاع المجمعات التجارية، وتعكس حرصهم على تعزيز جاذبية السوق البحريني للاستثمار، وتحسين تجربة المستهلكين.
ومع الاتجاه العالمي نحو دمج التكنولوجيا والابتكار في مراكز التسوق، يتجه قطاع المجمعات التجارية في البحرين إلى تطوير مفهوم “وجهات الحياة الشاملة”، التي تجمع بين التسوق، والخدمات، والترفيه، والمجتمع، مما يفتح آفاقًا جديدة للنمو ويعزز جاذبية هذه المجمعات.
مواقف السيارات عنصر حاسم
في هذا الشأن، تقول سارة علي: ”لم يعد الذهاب إلى المجمعات التجارية في البحرين يهدف إلى التسوق فقط، إذ ترى أن الناس يبحثون عن تجربة متكاملة تبدأ من مواقف السيارات المريحة، مرورًا بالأنشطة الترفيهية، ووصولًا إلى تعدد خيارات المطاعم، والسينما، والمجمعات التي تفهم هذا التوجه وتستثمر فيه، تحافظ على زخم الإقبال، أما تلك التي تكتفي بمجرد تأجير المساحات لمحلات تجارية محدودة فأنها تجد نفسها خارج دائرة المنافسة”.
ويؤكد أحمد الملا على أنه توجد علاقة واضحة بين تواجد العلامات التجارية العالمية (البراندات) وبين مستوى الإقبال على المجمعات، فالمستهلك المحلي، وخاصة فئة الشباب، أصبح أكثر ارتباطًا بالعلامات التجارية العالمية ويعتبر وجودها مؤشر على جودة المجمع، وملاءمته لتطلعاته، لذا فأن المجمعات التي لا تجذب هذه العلامات تفقد شريحتها الأكثر تأثيرًا تدريجيًّا”.
إلى ذلك تقول إيمان مالك: ”التكنولوجيا هي المتحكمة، فمع التحولات المتسارعة في سلوك المستهلكين، واعتمادهم على التكنولوجيا، أصبح من الضروري أن تتبنى المجمعات التجارية حلول ذكية مثل الدفع الإلكتروني، وتحليلات حركة الزوار، وحتى تطبيقات رقمية لتجربة الزبون، وعليه، فإن المجمعات التي تجاهلت هذه الأدوات بلا شك فقدت جزءًا كبيرًا من جاذبيتها، خاصة بين جيل الشباب”.
في حين ترى شقيقتها حنان مالك:”قد يكون المجمع التجاري في موقع حيوي مثل وسط المنامة، لكنه يعاني في جذب الزوار بسبب أزمة المواقف، القرب من سوق المنامة المركزي، رغم أهميته، يخلق ضغط مروري يُقلل من سهولة الوصول، وهو ما يجعل الزوار يفضلون المجمعات الأبعد، ولكن أكثر تنظيما، خاصة من حيث خدمات المواقف المظللة، والخدمات الأخرى”.
من جانبه، يؤكد السيد كميل – صاحب أحد المكاتب العقارية- على أن كثير من المجمعات أصبحت تُدار بعقلية المالك العقاري، وليس بعقلية منشأة حيوية تتفاعل مع المجتمع، والفرق شاسع بين مجمع ينظّم فعاليات أسبوعية، ويستضيف فرقًا موسيقية، ومعارض فنية، ومهرجانات موسمية، وبين مجمع آخر تتكرر واجهاته بعبارات: “للتأجير”، ومن خبرة عميقة في مجال العقارات فأن المستهلك ينجذب إلى ما يشعره بالحيوية، والتجديد”.
وتقول هدى العرادي:”ليس بالضرورة أن ينجح المجمع التجاري لأنه كبير أو حديث، فهي ترى أن السر يكمن في فهم شريحة الزوار وتقديم ما يهمهم فعلا. رأينا مجمعات صغيرة تستقطب الزوار لأنها تركز على تجربة طعام فريدة -على سبيل المثال، أو تستهدف العائلات تحديدا، بينما فشلت مجمعات أكبر لأنها لم تواكب التغيرات، سواء في سلوك الشراء، أو في نمط الحياة اليومي”.
وعليه، يمكننا القول بأن قطاع المجمعات التجارية في مملكة البحرين يُمثل نموذجا للتوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة، حيث تتنوع الفرص بين تطوير المشاريع القائمة، واستقبال المشاريع الجديدة، مع تركيز متزايد على الابتكار، والتنوع لتلبية تطلعات المستهلكين، فهذا المشهد المتجدد يشير إلى مستقبل واعد يسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي، ورفع جودة الحياة في مملكة البحرين.
