العدد 6136
السبت 02 أغسطس 2025
تحول الفلبين في جغرافيا الضرائب
السبت 02 أغسطس 2025

حين خفّضت الفلبين ضريبة الشركات من 25 % إلى 20 %، لم يكن ذلك مجرد تعديل تقني في نظامها المالي، بل إعلان صريح عن انتقالها إلى خريطة جديدة من التنافس الضريبي. ففي ظل رسوم أميركية بلغت 19 % على صادراتها، اتخذت الفلبين خطوة دفاعية ذكية، حوّلت خفض الضرائب إلى أداة استراتيجية تعزز صمودها، وتعيد تموضعها كمحور بديل في جغرافيا التوريد العالمية.
القانون الفلبيني الجديد، المعروف باسم CREATE MORE، الذي فُعّل عمليا في فبراير 2025، لا يقتصر على التخفيض الضريبي فحسب، بل يقدم منظومة حوافز متكاملة تمتد لتشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى 27 عاما للمشروعات الكبرى، وتُمنح للشركات المسجلة لدى هيئات الاستثمار الرسمية، مثل هيئة المنطقة الاقتصادية (PEZA)، وهيئة الاستثمار (BOI).
كما يتيح القانون انتقالا مرنا بين أنظمة الحوافز، ويمنح المستثمرين حرية اختيار النموذج الضريبي المناسب لطبيعة أعمالهم، سواء عبر نظام الاستقطاعات المحسّنة أو الحوافز الثابتة بنسبة 5 % من إجمالي الدخل. وتشمل الحوافز خصومات كاملة على تكاليف الطاقة في القطاعات الاستراتيجية، بالإضافة إلى إعفاءات شاملة من ضريبة القيمة المضافة على المدخلات الموجهة للتصدير، مع توسيع قائمة السلع والخدمات المشمولة لتضم مجالات مثل الأمن، والتسويق، والاستشارات، والنقل.
ومع تصاعد الرسوم الجمركية الأميركية، بدأت الشركات العالمية تبحث عن بيئات ضريبية أكثر استقرارا، فبرزت الفلبين كخيار جذّاب يجمع بين الحوافز السخية وسوق محلية تفوق 113 مليون نسمة، وقوى عاملة شابة ومتعلمة تتقن الإنجليزية. وبفضل معاملتها الجمركية الأخف مقارنة بدول مجاورة، جذبت البلاد 182 مشروعا جديدا باستثمارات تجاوزت 1.55 مليار دولار؛ ما يعكس عودة تدريجية للثقة، ويؤكد أن القانون الجديد يمثل تحولا استراتيجيا لا مجرد إصلاح ضريبي عابر.
في هذا السياق، لم تعد الفلبين مجرد لاعب هامشي في الاقتصاد الآسيوي، بل أصبحت بوابة لرأس المال الخليجي الباحث عن استقرار ضريبي، وشفافية تشريعية، وتنافسية تشغيلية. وتبدو الفرص أكثر اتساعا في مجالات مثل الصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية واللوجستية، خاصة في ظل انضمام الفلبين إلى اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، الذي يربطها بـ 14 دولة آسيوية.
وعلى الرغم من هذا الزخم، ما تزال التحديات قائمة. ففجوات البنية التحتية، وتعقيدات التصاريح، وارتفاع تكاليف الكهرباء، تبقى عقبات حقيقية أمام بعض المستثمرين. لكن تقارير صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تؤكد أن هذه المؤشرات تشهد تحسنا متواصلا بفعل الإصلاحات الجارية والتزام الدولة بالتحول المؤسسي.
تحوّلت الفلبين من دولة على هامش الأسواق الناشئة إلى فاعل رئيس في جغرافيا الضرائب الإقليمية. وبعقلانية تشريعية وجرأة تحفيزية، أعادت صياغة بيئة الاستثمار لتجعل الضرائب أداة سيادة لا مجرد تحصيل. في هذا المشهد المتسارع، لم يعد الاستثمار في مانيلا خيارا مؤقتا، بل ضرورة استراتيجية لكل من يسعى للتموضع في قلب آسيا.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .