العدد 6122
السبت 19 يوليو 2025
أرصفة المال ترتسم في فيتنام
السبت 19 يوليو 2025

فيتنام لم تعد مجرد رقعة على خريطة جنوب شرق آسيا، بل أرصفة اقتصادية ترتسم فوق صفحة الجغرافيا، تتبدل فيها حقول الأرز إلى أبراج زجاجية، وتتحول المرافئ القديمة إلى منصات للمال والأعمال. إنها رحلة أمة تسير على حبل مشدود بين ماضي الزراعة وصناعة الغد المالي، متكئة على حنكة جيوسياسية واقتصاد لا يعرف التوقف.

ففي خطوة تحمل أبعادا استراتيجية عميقة، صادق البرلمان الفيتنامي حديثا على إنشاء مركزين ماليين دوليين في مدينتي “هو تشي منه” و “دا نانغ”. الأولى تتجه لأن تكون عاصمة الأسواق المالية، والبنوك، وأسواق العملات، بينما ترتدي الثانية عباءة التمويل الأخضر والاقتصاد المستدام، معتمدة على موقعها الاستراتيجي عند تقاطع ممرات التجارة بين الشرق والغرب، لتتحول إلى بوابة مالية تربط المحيطين الهندي والهادئ.

وتأتي هذه القفزة النوعية في وقت تحقق فيه فيتنام أرقاما استثنائية، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 7.9 % بالأشهر الخمسة الأولى من 2025، لتبلغ 8.9 مليار دولار أميركي، بينما قفزت تعهدات الاستثمار إلى 18.4 مليار دولار بنمو مذهل قدره 51.1 %، بحسب بيانات وزارة التخطيط والاستثمار الفيتنامية.

غير أن هذا الصعود لا يخلو من الأشواك؛ إذ توصّلت فيتنام إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة ينص على فرض رسوم جمركية بنسبة 20 % على بعض صادراتها، ترتفع إلى 40 % على المنتجات التي يُعاد تصديرها بعد دخولها على أنها “منقولة” أو “معاد ترتيبها” عبر هانوي. وبالرغم من صعوبة الشروط، برز الوجه البراغماتي لفيتنام، التي آثرت التسوية على التصعيد، مؤكدة قدرتها على المناورة بين ضغوط القوى الكبرى ومتطلبات الحفاظ على استقلالها الاقتصادي. هذا التحول لا يقف عند تدفقات المال وحدها، بل يعيد رسم معالم مدينتي هو تشي منه ودا نانغ كأرصفة مالية صلبة. تتبدل البنية المالية من نموذج تقليدي إلى منظومة عابرة للحدود، تُدمج فيها معايير الحوكمة والشفافية، ونسب كفاية رأس المال والسيولة، إلى جانب إدماج التمويل الأخضر والتكنولوجيا المالية كركائز مركزية للنمو المستدام.

ما يحدث في هاتين المدينتين ليس سباقا لبناء الأبراج فقط، بل بناء لفلسفة اقتصادية تزاوج بين الربح والمسؤولية البيئية. هو تشي منه تطمح لأن تكون هونغ كونغ جديدة، بينما تمضي دا نانغ على درب سنغافورة الخضراء، لتجسدا معا نموذجا مزدوجا لرأسمالية أخلاقية.

وعلى هذه الأرصفة الجديدة، تتقاطع اليوم طموحات فيتنام مع مصالح دول الخليج. فهانوي لم تعد مجرد وجهة تصنيع، بل منصة استثمارية متقدمة تجمع بين الابتكار والاستدامة. من يقرأ هذا التحول بعمق، يدرك أن الشراكة مع فيتنام لم تعد خيارا تكتيكيا، بل ضرورة استراتيجية لصياغة ممرات استثمارية جديدة بين الخليج وآسيا، في عالم يتبدل إيقاعه أسرع مما نظن.

 

صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .