العدد 6115
السبت 12 يوليو 2025
رسوم “ترامبية” تعيد ترتيب آسيان
السبت 12 يوليو 2025

تدخل الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، حيّز التنفيذ في الأول من أغسطس، مستهدفة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بعد فرض أولي في أبريل الماضي. فقد ارتفعت الرسوم على ماليزيا إلى 25 %، وثُبّتت على إندونيسيا بنسبة 32 % وتايلاند 36 %، وخُفّضت على كمبوديا إلى 36 %، وفيتنام  إلى 20 % بموجب تفاهم ثنائي. هذه التحركات، التي وصفها ترامب بأنها ضرورية لإعادة التوازن التجاري، لا تعيد فقط ضبط العلاقة مع آسيا، بل تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية في المنطقة، فاتحة الباب أمام لاعبين جدد، من ضمنهم دول الخليج.

في كوالالمبور، حذّرت الحكومة الماليزية من تداعيات الرسوم الأميركية التي ارتفعت من 24 % إلى 25 %. فمع بلوغ التبادل التجاري مع الولايات المتحدة نحو 71.4 مليار دولار في 2024، تخشى ماليزيا من تضرر صادراتها الحيوية، خاصة في قطاعات أشباه الموصلات والمطاط، وما يرتبط بها من سلاسل إمداد.

وفي جاكرتا، لم تكن ردة الفعل أقل سرعة. فبعد تثبيت الرسوم الجمركية عند 32 %، تحركت الحكومة الإندونيسية لإيفاد وفد تفاوضي رسمي إلى واشنطن. فإندونيسيا، وهي من كبار مصدّري زيت النخيل والمطاط والمنتجات الزراعية، تدرك تمامًا أن بقاء الرسوم بهذا المستوى ليس مجرد سياسة تجارية، بل تهديد حقيقي لعائدات الدولة ولأكثر من مليون وظيفة ترتبط بتلك الصناعات.

أما بانكوك، فوجدت نفسها في مأزق سياسي واقتصادي، إذ لم تُثمر تنازلاتها الأخيرة عن أي تخفيض. فقد أبقت واشنطن الرسوم عند 36 %، متجاهلة مقترحات تايلاند بزيادة وارداتها من الطائرات والطاقة الأميركية. ومع الجمود الجمركي، تخشى بانكوك من خسارة حصصها السوقية لصالح دول أخرى في المنطقة وعلى رأسها فيتنام، التي حصدت مكسبًا تفاوضيًّا بارزًا.

فيتنام، التي لطالما عُرفت بقدرتها على التفاوض الهادئ، نجحت في تحويل الخطر إلى مكسب. فمن خلال اتفاق سياسي خفّضت واشنطن رسومها من 46 % إلى 20 %. وبالمقابل، التزمت هانوي بتوسيع وارداتها من المنتجات الأميركية. ويبدو أن هذا التفاهم سيفتح أمامها أبواب استثمار جديدة، خاصة للشركات الباحثة عن مدخل جمركي منخفض نحو السوق الأميركية.

أما في كمبوديا، فقد بدا التخفيض من 49 % إلى 36 % بمثابة تنفّس مؤقت، لا أكثر. فالنسبة لا تزال مرتفعة بالنسبة لقطاع الملابس والمنسوجات الذي يشغّل أكثر من مليون عامل. وتخشى النقابات العمالية من أن يدفع استمرار هذه النسبة المستثمرين نحو نقل مصانعهم إلى دول مجاورة تقدم بيئة جمركية أكثر تنافسية.

في مشهد تُعيد فيه الرسوم الترامبية رسم خريطة التجارة الآسيوية، تبرز دول الخليج العربي كأرضية بديلة لاستقبال تحولات الإنتاج والاستثمار. فبينما تدفع الضغوط الجمركية بعض الصناعات الآسيوية لإعادة التموضع، توفّر الموانئ الخليجية بنية تحتية تنافسية، وتُشكّل الرؤى الاقتصادية الخليجية منصة مرنة لتأسيس شراكات صناعية وتجارية هجينة مع الاقتصادات المتأثرة.

 

* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .