في زمن تُقاس فيه النجاحات بالأرباح والأرقام، اختار رجل الأعمال الروسي سيرجي نوتشوفني أن يقلب المعادلة رأسًا على عقب، لم يكن بحاجة إلى وظيفة جديدة، فشركته الاستشارية كانت تدر عليه ما يربو على مليوني دولار سنويًّا، لكنه مع ذلك قرر أن يضع ربطة العنق جانبًا، ويحمل حقيبة توصيل صفراء، ويسير في شوارع موسكو كأي عامل توصيل، ويقطع يوميًّا نحو 20 كيلومترًا على قدميه. قد يبدو القرار غريبًا، بل حتى عبثيًّا في نظر البعض.. فما الذي يدفع رجلًا ناجحًا في ريعان عطائه، إلى التخلي مؤقتًا عن مكتبه الفاخر، ليقف أمام أبواب الناس، أحيانًا بلا نظرة امتنان أو حتى كلمة شكر، لكن قد تكون خلف هذا الظاهر فكرة جديرة بالتأمل.
نوتشوفني أراد أن يرى الحياة من زاوية مختلفة، أراد أن يكسر رتابة العيش في قوقعة الإنجازات الرقمية، ويقترب من الواقع الذي يعيش فيه ملايين الناس، ممن لا تسلط عليهم الأضواء، ولا تظهر صورهم في المجلات الاقتصادية. فهو لم يبحث عن المال فحسب، بل عن المعنى، ولم يهرب من النجاح، بل حاول أن يعيد تعريفه. تجربته تعكس نوعًا نادرًا من الشجاعة، شجاعة النزول من البرج العاجي والاحتكاك بعالم آخر غالبًا ما نمر به مرور الكرام. ولعل أبلغ ما رصده نوتشوفني خلال رحلته، هو أن عمال التوصيل رغم ستراتهم الصفراء البراقة يظلون غير مرئيين بالنسبة للكثيرين، وكأنه أراد أن يشعر بذلك الإحساس باللامرئية، كي يعي جيدًا كيف يبدو الواقع من الجهة الأخرى.
الجميل في هذه المبادرة، أنها تسلط الضوء على أهمية “التحول الداخلي” في مسيرة أي إنسان، حتى في ذروة نجاحه المهني. فهي تذكّرنا بأن فهم العالم لا يكتمل من خلف المكاتب، بل يحتاج أحيانًا إلى أن نخطو في الشوارع، ونعيش حياة الآخرين، لا مجرد مراقبتها أو تحليلها.
قد لا تكون هذه التجربة مناسبة لكل رجال الأعمال، لكن جوهرها يبقى ملهمًا وأن نعيد النظر في مفاهيمنا حول النجاح، أن نكسر نمطية التفكير، وأن نمنح أنفسنا فرصة للتعلم من الحياة، لا فقط من الكتب أو الاجتماعات.
فربما ما فعله سيرجي نوتشوفني ليس سوى تذكير صامت بأن القوة لا تعني التمسك بالمكان، بل بقدرتك على الخروج منه، بإرادتك، لتتعلم شيئًا جديدًا.. عن العالم، وعن نفسك، وهذا ما يسمونه في علم الإدارة “التفكير من خارج الصندوق”.
من وجهة نظري الشخصية، أن في مجتمعاتنا العربية والخليجية من الصعب تطبيق هذه الفكرة بسبب تعارضها مع الكثير من عاداتنا وتقاليدنا وسلوكياتنا مع المجتمع، عكس المجتمعات الغربية.
فهناك يملك الفرد الحرية المطلقة ولا يهاب الجمهور، وذلك بسبب الثقافة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان، فلذا وبعيدًا عن فكرة عامل التوصيل، فإن الكثير منا وأنا واحد منهم راودتنا أفكار كثيرة لتنفيذها من خارج الصندوق، إلا أن العوامل الاجتماعية الخارجية منعتنا من تطبيقها! لذا، فإنه من الضروري أحيانًا وفي حدود المعقول أن نتجرّد قليلًا من هذه التحفظات واتخاذ قرارات جريئة من أجل تحقيق الأحلام والطموحات المرجوة.
الخلاصة.. “التفكير من خارج الصندوق” مهارة عقلية ضرورية ومُعزَّزة في علوم الإدارة، لا علمًا مستقلًا، بل يُستخدم كأداة أو توجه ضمن العديد من فروع الإدارة الحديثة. ما رأيكم؟.
*كاتب وإعلامي بحريني