في عالم تتنافس فيه التكنولوجيا والتطبيقات على تقديم أقصى درجات الراحة، ظهر تطبيق جديد في إحدى الأسواق الخليجية يحمل اسم “Cari”، هذا التطبيق يقدم خدمة غير مسبوقة، إذ يمكنك من خلاله طلب سائق يأتي إلى منزلك، يأخذ سيارتك، يملأ خزانها بالوقود، ثم يعيدها إلى مكانها.. كل ذلك وأنت مستلقٍ في سريرك، وتتصفح هاتفك.
قد يصف البعض هذه الخدمة بأنها “ذكية”، وقد يجدها آخرون مبهرة، بل وضرورية، والحقيقة من وجهة نظري الشخصية أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست المشكلة، بل إن الإشكالية تكمن في نوعية الاحتياجات التي أصبحت تُخلق من لا شيء، وفي سهولة استسلام الإنسان لفكرة أن كل شيء يجب أن يُؤدى بالنيابة عنه، حتى أبسط المهمات الشخصية التي اعتدنا القيام بها يوميًا دون عناء. لقد مرّت علينا تطبيقات توصيل الطعام، والأدوية، والملابس، والمركبات، بل حتى خدمات تنظيف المنازل وغسل السيارات عند المنزل. كل تلك قد يُجادل في ضرورتها أو منفعتها ضمن إيقاع الحياة الحديثة. لكن أن يصل الأمر إلى تكليف شخص غريب بقيادة سيارتك، لمجرد أنك لا تريد أن تمر على محطة الوقود لبضع دقائق، فهنا تكمن المأساة الأخلاقية والسلوكية الخاطئة.
فهذه النوعية من التطبيقات لا تلبّي حاجات حقيقية فحسب، بل تخلق نوعًا من الاحتياجات الوهمية، وتدفع الناس إلى المزيد من الاتكالية على الآخرين، وتآكل الشعور بالمسؤولية الذاتية، والأخطر أن هذه السلوكيات تُسوّق على أنها “تحضّر” و”رُقي”، بينما هي في حقيقتها نوع من التراجع المجتمعي.
من زاوية علم النفس والسلوك الاجتماعي، يشير علماء مثل البروفيسور Barry Schwartz – صاحب كتاب “The Paradox of Choice” – إلى أن الإغراق في الخيارات والخدمات لا يجعلنا أكثر سعادة، بل أكثر خمولًا وقلقًا واغترابًا عن ذاتنا. ويرى خبراء علم النفس السلوكي أن أداء المهمات اليومية البسيطة – كتعبئة الوقود – يعزز الشعور بالكفاءة الذاتية، وهو عنصر حاسم في بناء الثقة بالنفس والتحفيز الداخلي.
وفي المقابل، فإن الاعتماد المستمر على الآخرين في المهمات البسيطة يؤثر سلبًا على مفهوم “المسؤولية الشخصية”، وقد يؤدي بمرور الوقت إلى ما يُعرف بـ “العجز المُتعلّم “ (Learned Helplessness، وهي حالة نفسية يشعر فيها الإنسان بأنه غير قادر على إنجاز أي شيء بمفرده، حتى وإن كان قادرًا عمليًا.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل نحن أمام خدمة ذكية فعلاً، أم أمام عقلية استهلاكية بدأت ترى الكسل ميزة؟
وهل نسينا أن للسيارة شخصية، وأن علاقتنا بها تتشكل من خلال قيادتها، والاعتناء بها، وتعبئتها، وغسلها؟ هل نريد أن نتخلى حتى عن تلك العلاقة البسيطة، لصالح “مندوب تطبيق” لا نعرف عنه شيئًا؟
لا شك أن التطبيقات الذكية وُجدت لتسهيل أعمالنا في الحياة اليومية، لا لتفريغها من معناها. لتوفير الوقت للمهمات الكبيرة، لا لمحو المهمات الصغيرة التي تبني من خلالها مهارات الاعتماد على النفس.
قد يقول قائل: “وماذا في ذلك؟ هذه خدمة مدفوعة ومن حق من يستطيع الدفع أن يستفيد منها!”، وهو كلام صحيح من الناحية الشكلية، لكنه يغفل عن الأثر التراكمي لهذه الثقافة: تراجع قيمة الجهد، وموت الحافز الداخلي، وضعف روح المبادرة.
فهل نحن بحاجة إلى مزيد من هذه الخدمات “المرفهة”؟ أم أننا بحاجة إلى وقفة مع أنفسنا نعيد فيها تعريف الراحة، ونفرّق بين ما يُسهّل الحياة وما يُفرغها من المعنى؟
في زمن يتباهى فيه البعض بأنه لا يقود السيارة، ولا يطهو طعامه، ولا يغسل ملابسه، ولا يدخل محطة الوقود، يبدو أن التقدم الحقيقي اليوم هو أن تتمسك بما بقي من ذاتك، وأن تؤدي بعض المهمات بيدك، لا لأنك مضطر، بل لأنك مازلت تملك إرادة الحياة.
ما رأيكم؟
كاتب وإعلامي بحريني