انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي مقطع لعالم دين لا أعلم على وجه الدقة من هو ولا من أي بلد، لكنني اعتبرته خطيبًا جريئًا بمعنى الكلمة، فقد صدح بالحقيقة من على منبر المسجد، فلامس بحديثه الصادق واقعًا عربيًّا وإسلاميًّا موجعًا، فليست كل الخطب المنبرية مكررة، وليست كل الأصوات الدينية أسيرة المجاملات أو الخطابات الشعبوية التي تطبطب على الوعي، فهناك من يصدح بالحقيقة، بلا خوف، ويضع إصبعه على الجرح، كما فعل ذلك الشيخ الجريء، إذ إن كلماته وصلت إلى القلب قبل الأذن، لأنها ببساطة كانت صادقة، حارقة، ومؤلمة.
هذا الشيخ وقف على منبر المسجد، لا ليعدنا بالفرج والنصر والتمكين فحسب، بل ليسألنا على يد من تنتظرون النصر؟ هل على يد شعوبٍ 30 % منها لا تقرأ ولا تكتب؟ شعوب لا تصنع شيئًا بأيديها، كل ما حولها مستورد من دول تعرف قيمة الإنسان والعقل والعلم؟ أو شعوب لا تنتج جامعة واحدة تنافس جامعات العالم، في وقت يقرأ فيه الياباني 80 كتابًا في السنة، ونحن لا نقرأ صفحة! ناهيك عن أننا لا نعلم زوجاتنا وأبناءنا على القراءة! كان يقول في خطبته إن قبعته مصنوعة من نيوزلندا، ونظارته من النمسا، وحذاءه من إيطاليا، ولباسه من بريطانيا! كان صريحًا حد الوجع، فلم يُجمّل الواقع، ولم يطلب منا أن نغضّ الطرف عنه، بل حثّنا أن نواجه أنفسنا بشجاعة، أن نكفّ عن دعوات النصر إن لم نقم بأسباب النصر، وأن نراجع أنفسنا قبل أن نتذمر من حالنا.
قد يرى البعض في حديثه قسوة، لكنه لم يكن إلا مرآةً مخلصة، تعكس الواقع دون رتوش. لقد وضع يده على مفارقة مؤلمة: كيف نرجو تمكينًا من الله ونحن نُهمل العلم، ونُقصّر في العمل، ونستورد حتى إبر الخياطة وورق الكتابة؟
نحن لا نُهزم أمام العدو، بل أمام جهلنا، كسلنا، واستسلامنا لواقع نعرف أنه لا يليق بنا، ثم نلجأ إلى الدعاء كأنه حبل نجاة من تقصيرنا.
هذا الشيخ ربما لن يُكرم في وسائل الإعلام، وربما سيُهاجَم لأنه “يحبط الناس”، لكن الحقيقة هي أن أمثاله هم من يحتاجهم المجتمع، من يقولون لنا ما نحتاج أن نسمعه، لا ما نريد أن نسمعه.
نعم، فنحن أمة لها تاريخ عظيم، وماضٍ مشرق، لكن لا يكفي أن نغني له في كل مناسبة. لابد أن نصنع حاضرًا يليق به، ومستقبلاً لا يخجل منّا أبناؤنا فيه.
لقد قالها الشيخ بوضوح: “من لا يقرأ، لا ينهض، من لا يُنتج، لا يُحترم، من لا يُصلح حاله، لا يُنصر”. فهل نملك الجرأة لنقول لأنفسنا ما قاله لنا؟ وهل نملك العزيمة لنغيّر هذا الواقع؟ أم سنكتفي – كالعادة – بالتصفيق لمن صدق، ثم نعود إلى نومنا الثقيل؟
الخلاصة... لشيوخ الدين دور مهم ومحوري، وعليهم أن يكونوا قدوة لنا ويمتلكوا الجرأة الكافية لإلقاء خطب واضحة المعالم وتتعاطى مع قضايا الأمة بكل شفافية وصدق بعيدًا عن أية مصالح شخصية أو دينية، فكلمتهم دائمًا ما تكون مسموعة من قبل الجميع.
هذه دعوة صادقة وخالصة إلى جميع خطباء المساجد أن يحذوا حذو هذا الخطيب الذي أراه مثالًا يُحتذى به لما ينبغي أن يكون عليه شيوخ الدين، أداءً لرسالتهم على أكمل وجه. والله من وراء القصد.
كاتب وإعلامي بحريني