عرف عن رؤساء أميركا السابقين تبني كل منهم مبدأ معينا في السياسة الخارجية، ولعلنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر مذهب “الاحتواء” في 1947 لهاري ترومان، الذي كان وراء اندلاع الحرب الباردة لنصف عقد من الزمان، ومذهب أيزنهاور وهو “الرد النووي الشامل” في 1957، وكان ذلك بسبب صد أي محاولة سوفيتية للتدخل في أقاليم الولايات المتحدة ودول حلف الناتو ومناطق نفوذهما، وكان وراء ذلك أزمة “خليج الخنازير” عندما اكتشفت أميركا قاعدة من الغواصات النووية الروسية بالغرب من كوبا وقريبة من سواحل أميركا، ومبدأ نيكسون في سياسة “ملء الفراغ” حيث بعد هزيمة أميركا في فيتنام اكتشف الرئيس نيكسون أن لا فائدة من إرسال الجيوش لمناطق القتال ويكفي أن توجد أميركا حلفاء لها في المناطق التي توجد فيها مصالحها، ومذهب جورج بوش الابن “الحرب الاستباقية”، حيث بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م التي عرفت بأحداث التجارة العالمية أخذ الرئيس بوش الابن بهذه السياسة، وفحواها أنه لا ينبغي أن ننتظر حتى تفاجئنا المنظمات الإرهابية في عقر دارنا، إنما لابد من القيام بالقضاء عليها في أماكن وجودها، وكانت نتيجة ذلك أن قام بوش الابن بغزو كل من العراق وأفغانستان، وكذلك سياسة أوباما “القيادة من الخلف” بعدها.
وأخيرا يأتي دونالد ترامب بسياسة “القوة تصنع السلام”، التي تقوم على مبدأ التوازن بين الحسم العسكري والانسحاب السريع، وذلك يجنب التورط في نزاعات طويلة الأمد.
وهذا ما ظهر واضحا في أول استخدام للقوة لترامب عندما بدأ بتطبيق هذه السياسة، فقام بضربات قوية على الحوثيين وبعد يومين وقع اتفاق وقف إطلاق النار معهم، وكذلك بالمثل مع إيران، فبعد أن زف ترامب للأميركيين ولإسرائيل بشرى نجاح “عملية مطرقة منتصف الليل”، على ثلاثة مواقع نووية إيرانية (فوردو ونطنز وأصفهان) في 22 يونيو في تدمير أكبر القدرات العسكرية، بعدها مباشرة دعا القادة الإيرانيين إلى التفاوض لإبرام اتفاق نووي جديد، يحل محل خطة العمل المشتركة الشاملة للعام 2015، وشجعهم على الحوار وصنع السلام! وبعد أن قبل الطرفان المبادرة الأميركية بوقف إطلاق النار، في 24 يونيو، من جهة أخرى مارس الضغوط على إسرائيل لوقف إطلاق النار على إيران.
وتنطلق هذه السياسة في الحروب من فلسفة أن المبادئ والمثل الأخلاقية في عالمنا اليوم لا تصنع السلام، إنما القوة هي التي تصنع السلام، وأن التفاوض لا يكون إلا من منطقة القوة للضغط على الطرف الآخر، ومن ثم الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات منه! وقد كشفت عمليتا “الأسد الصاعد” - وهي الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران - و”مطرقة منتصف الليل” - أي الضربات التي قامت بها أميركا على المنشآت النووية الإيرانية - عن هذه السياسة في الحروب وصحتها وسلامتها من وجهة نظرهما على الأقل، فلم تقدر أميركا وإسرائيل ماذا يقول القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقد جاءت سياسة ترامب في الحروب من انتقاده الحروب “الغبية” كما سماها التي خاضتها أميركا من قبل، حيث منذ مدة طويلة سقطت هيبة أميركا منذ حربها مع فيتنام في عهد الرئيس نيكسون، وحديثا الحربان اللتان خاضتهما أميركا في العراق وأفغانستان أغرقتا الولايات المتحدة في مستنقع، ولذلك يريد ترامب أن يجنب أميركا مثل هذه الحروب.
وهدف الرئيس ترامب هو القضاء على الحروب في العالم ونشر السلام في الولاية الثانية له والأخيرة من رئاسته ويتوج هذه السياسة بالحصول على “جائزة نوبل للسلام”، ولذلك استغل رئيس وزراء إسرائيل “نتنياهو” هذه الرغبة عند ترامب؛ ففي زيارته الأخيرة لواشنطن قام بتقديم ترشيح ترامب لكي يحصل على جائزة نوبل للسلام لكي يكسب ترامب إليه في السياسة التي ينتهجها ويروج لها ولمشروعه الخاص بإعادة تشكيل خريطة جديدة للشرق الأوسط.
* كاتب وأكاديمي بحريني