لا يمكن فهم أسباب الحروب التي أدت في نهايتها إلى تعثر المشروع الإيراني التوسعي دون الرجوع بالذاكرة السياسية إلى الوراء، حيث منذ قيام الثورة في إيران بالعام 1979 وتبنيها مشروعا استراتيجيا عقائديا للهيمنة على المنطقة العربية بالتحديد، انطلاقًا من لبنان في بداية حكم الخميني في إيران، الذي أرسل مبعوثين لنشر الثورة في لبنان، واستعانوا بعدد من رجال الدين اللبنانيين ليكونوا حلفاء للمبعوثين الإيرانيين لتحقيق المشروع التوسعي لمعرفتهم التحدث باللغة العربية.
ورغم أن التيار الإصلاحي في إيران الذي وصل إلى السلطة بقيادة الرئيس محمد خاتمي، والذي حقق الفوز الساحق في انتخابات العام 1997 بدعم من الحركة الإصلاحية، التي كانت بمثابة (الثورة الثانية)، وهي حركة سياسية أسستها مجموعة من الأحزاب السياسية والمنظمات في إيران، التي تدعم خطط الرئيس محمد خاتمي في تغيير النظام بحيث يتضمن المزيد من الحرية والديمقراطية. وتمكن خاتمي من بناء علاقات طبيعية قائمة على الاحترام المتبادل مع دول الجوار وخصوصا دول الخليج العربي، وزار المملكة العربية السعودية، إلا أن ذلك لم يدم طويلا، فقد عاد الجناح المتشدد في النظام الإيراني مرة ثانية إلى السلطة.
وواصل النظام الإيراني بجناحه المتشدد بعد ذلك العمل في مشروعه التوسعي بمد نفوذه إلى أربع دول عربية هي لبنان وسوريا والعراق واليمن من خلال استراتيجية الحرب بالوكالة، وذلك بعد فشله في الحرب التقليدية التي كانت مع العراق بالعام 1980م، حيث لم يتمكن النظام الإيراني من تحقيق هدفه فلجأ إلى الحرب بالوكالة.
ومن أنجح الوكالات التي استطاع النظام الإيراني من خلالها مد نفوذه للمنطقة العربية هو “حزب الله اللبناني”، حيث يقول أحد المفكرين اللبنانيين البارزين: “ما افتتحت إيران مشروعًا خارجيًا أنجح من مشروع حزب الله اللبناني من حيث الهدف والامتداد الجغرافي والمعنى الاستراتيجي. فالمشروع ظاهريًا كان موجهًا ضد إسرائيل، ولكن الهدف الرئيسي منه هو مد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية”.
وعلى مدار عقود عديدة، تمكنت إيران من بناء شبكة من التحالفات العسكرية في لبنان واليمن والعراق وسوريا كرافعة لمشروعها التوسعي، وقد شكلت هذه التحالفات العمود الفقري للمشروع الإيراني، حيث تمثل خطوط إمداد حيوية تؤمن لها النفوذ والتأثير في معادلات القوة الإقليمية والدولية.
وفجأة، حدثت القشة التي قصمت ظهر البعير وهي أحداث غزة التي كانت بداية النهاية للمشروع التوسعي الإيراني في 7 أكتوبر 2023م، عندما قامت حركة حماس التي يدعمها النظام الإيراني بهجوم داخل إسرائيل وأسرت فيه مجموعة من الإسرائيليين المدنيين منهم والعسكريين. وكان هذا الهجوم الشرارة التي أشعلت الحروب في المنطقة، بدءا بقيام إسرائيل بهجوم كاسح على قطاع غزة قتلت فيه أكثر من خمسين ألفًا من سكان غزة وتم تدمير البنية التحتية لقطاع غزة. بعدها، قامت إسرائيل بهجوم آخر على جنوب لبنان حيث “حزب الله اللبناني” واغتالت فيه رموز قادة الحزب وتم تدمير الجنوب اللبناني وإضعاف الحزب.
واستمر السيناريو التراجيدي بنشوب الحروب في المنطقة بسقوط نظام الأسد في سوريا، وبعدها قيام حرب 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، وبعدها جاءت الضربة الأميركية ودمرت المنشآت النووية الإيرانية. وخلال كل هذه الحروب، تم إلى حد كبير إعادة تشكيل خريطة جيوسياسية جديدة للشرق الأوسط تراجع خلالها المشروع التوسعي الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى حد كبير.
ولو أردنا استخلاص نتيجة مهمة من كل هذه التطورات الدراماتيكية السريعة في المنطقة لوجدنا أن أساسها أن النظام السياسي الإيراني ظل متمسكًا بمشروعه التوسعي ولم يأخذ في الاعتبار كل التطورات والتغيرات السياسية التي حدثت وتحدث في العالم، حيث بدأت الشعوب والدول في العالم تدرك أهمية تحررها وتقرير مصيرها وانتشر الوعي السياسي، بينما النظام الإيراني ظل يغرد خارج السرب ويبحث له عن تأسيس “إمبراطورية” يحقق من خلالها أحلامًا لا تمت إلى الواقع بأي صلة. لذا أصبحت علاقات النظام السياسي الإيراني الخارجية متوترة مع الدول، وأصبحت القوميات داخل إيران تطالب باستقلالها الذاتي، ولعل آخرها سكان مدينة تبريز التي يتكون أغلبية سكانها من “الأذربيجانيين” يطالبون دولة أذربيجان بالتدخل لتحريرهم، والسكان العرب في “عربستان” التي احتلتها إيران. وبذلك أدخل النظام السياسي الإيراني الدولة الإيرانية في نفق مظلم لا تعرف نهايته.
كاتب وأكاديمي بحريني