العدد 6121
الجمعة 18 يوليو 2025
الثقة ورباطة الجأش البحرينية في البيت الأبيض
الجمعة 18 يوليو 2025

في أروقة البيت الأبيض، حيث تتقاطع السياسة بالمراسم، وتُدار كبرى الملفات الدولية في أجواء محمّلة بالرموز والرسائل، التقى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بفخامة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة واشنطن، في لقاء رسمي جديد يعكس عمق العلاقة بين مملكة البحرين والولايات المتحدة الأميركية.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها سمو الأمير سلمان بالرئيس ترامب. فقد سبق أن التقيا خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب، وهو ما يضفي على اللقاء الأخير بعدًا من الاستمرارية والاحترام المتبادل. لكنّ اللافت في لقاء أمس الأول لم يكن البروتوكول وحده، بل الحضور الطاغي، والواثق، والمتماسك، الذي أطلّ به سمو الأمير في لحظة تتجاوز كونها دبلوماسية إلى ما هو أعمق من ذلك.

في البيت الأبيض، حيث شهدنا عبر الأشهر الماضية مواقف أربكت بعض قادة العالم، وأربكت أحيانًا حتى المتابعين، كان لسمو الأمير سلمان حضور مختلف. لم يرتبك، لم يتلعثم، لم يتردد. بل أظهر من الثقة والاتزان ورباطة الجأش ما يعكس ليس فقط شخصيته القيادية، بل المدرسة البحرينية في العمل السياسي: مدرسة قائمة على الوضوح، والاحترام، والقدرة على إدارة الحوار بندية وهدوء، دون ضجيج أو استعراض.

ولم يكن الرئيس الأميركي، المعروف بطريقته غير التقليدية في التعامل مع الضيوف، بعيدًا عن التقاط هذه السمات. فقد بادر بالترحيب الكبير بضيفه، وخصّ البحرين بكلمات تقدير واضحة، مشيدًا بقيادتها وبعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. كما عبّر عن تقديره الخاص لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، مستذكرًا عمق الشراكة التي جمعت البلدين لعقود طويلة، والروح الصادقة التي تحكم تلك العلاقة، بعيدًا عن المواقف الآنية أو المصالح المؤقتة.

الزيارة لم تقتصر على الجانب الرمزي أو البروتوكولي، بل حملت في طياتها ملفات مهمة، شملت جوانب التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وهو ما يعكس إيمان البحرين بأن الدبلوماسية الفعالة لا تقف عند حدود الكلام والشعارات، بل تُترجم إلى شراكات ومشاريع ومصالح متبادلة.

ولعل ما يميز هذه الزيارة، في توقيتها ومحتواها، أنها تأتي في مرحلة عالمية دقيقة، تشهد فيها الساحة الدولية تحديات متزايدة، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو السياسة. وفي مثل هذا السياق، فإن تأكيد البحرين، بقيادتها، على ثبات موقفها، وعلى متانة علاقاتها الاستراتيجية، وعلى سعيها لتعزيز التعاون المشترك مع الولايات المتحدة، هو موقف يُحسب للقيادة البحرينية، ويؤكد مرة أخرى أن للدول الصغيرة بحجمها، مكانة كبيرة عندما يكون لها رجال كبار في الموقف والرؤية والقرار.

صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد، الذي عرفه العالم قائدًا شابًّا يملك طموحًا واسعًا، وإدراكًا عميقًا لمعاني الدولة، ووعيًا دقيقًا بلغة المصالح والعلاقات، كان في هذا اللقاء نموذجًا حيًا للقائد الذي لا يكتفي بتمثيل بلده، بل يرفع اسمها، ويعزز مكانتها، ويبعث برسائل طمأنة إلى الداخل والخارج، مفادها أن البحرين تمضي بثقة، وتتحرك بثبات، وتتعامل مع الكبار بندية الاحترام وثقة الشركاء.

لقد أظهرت هذه الزيارة أن قوة الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي أو عدد سكانها، بل بما تملكه من رجالات دولة، ومن رؤية متقدمة، ومن قدرة على الحضور الفاعل في الساحات الكبرى. والأمير سلمان، في لقائه الأخير، كان تجسيدًا لهذه الحقيقة؛ ففي هذا اللقاء لم تكن البحرين مجرد ضيف في البيت الأبيض، بل كانت حاضرة بقيمها، وكياستها وأدبها السياسي، وبحكمة التوازن التي ميّزت نهجها الخارجي عبر العقود. لقد قال نيلسون مانديلا ذات مرة: "القادة العظماء لا يخلقون أتباعًا، بل يصنعون قادة"، وفي شخصية سمو الأمير سلمان تجسدت أيضًا هذه المقولة، حيث كان لسموه حضور لافت، لا يمكن تفاديه، قائم على الاحترام والعقلانية والرؤية البعيدة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .