العدد 6087
السبت 14 يونيو 2025
خدمة الإنسانية.. مبادرة “بيل غيتس أنموذجا”
السبت 14 يونيو 2025

 ليس من السهل أن يتنازل إنسان عن معظم ثروته، ناهيك عن أن تكون تلك الثروة من الأكبر في العالم، وأن يكون صاحبها أحد رموز الاقتصاد الرقمي في العصر الحديث. لكن بيل غيتس، المؤسس الشريك لشركة ميكروسوفت، اختار أن يوجّه 99 % من ثروته الهائلة التي يُتوقّع أن تصل إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2045 نحو دعم الصحة والتعليم في أفريقيا، القارة التي طالما عانت من التهميش والتجاهل في خطط التنمية العالمية.
 فقد تناقلت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي أن غيتس أعلن في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، عن تعهده بإنفاق معظم ثروته خلال العشرين سنة القادمة عبر مؤسسته الخيرية، مُوجّهًا استثمارات إنسانية ضخمة نحو تمكين الإنسان الأفريقي من خلال الرعاية الصحية والتعليم. “إطلاق الإمكانات البشرية كفيل بأن يضع كل بلد في القارة الأفريقية على طريق الرخاء”.. هكذا عبّر غيتس عن فلسفة المبادرة، واضعًا إصبعه على الجرح الذي يؤرّق المجتمعات الأفريقية: غياب الاستثمار الحقيقي في الإنسان.
اللافت في هذه المبادرة أنها لا تستند إلى التبرع المالي فحسب، بل تدعو إلى استنهاض طاقات الشباب الأفارقة أنفسهم، وتشجيعهم على تسخير أدوات العصر – وفي مقدّمتها الذكاء الاصطناعي – من أجل الارتقاء بأنظمة الرعاية الصحية والتعليم. بمعنى آخر، لا تقتصر المبادرة على العطاء، بل تحمل روح الشراكة، وتنظر إلى أهل القارة بوصفهم شركاء في صناعة الحل، لا مجرد مستفيدين من المساعدة. إننا أمام مشهد يُعيد الاعتبار لفكرة “الثروة كأداة للخير”، في وقت طغى فيه الجشع، وارتفعت فيه أسوار المصالح الخاصة، حتى بات الحديث عن المسؤولية الاجتماعية عند الكثير من أصحاب الأموال ترفًا لفظيًا لا يُترجم إلى أفعال، وفي المقابل، تأتي مبادرة غيتس لتثبت أن الخير لا يزال ممكنًا، إذا ما توفّر الإيمان بالإنسان، والرغبة في التغيير.

 قد يقول قائل إن أفريقيا ليست مسؤولية بيل غيتس، وربما هي كذلك. لكنّ مبادرته هذه تؤكد أن الانتماء الإنساني أوسع من حدود الجنسية واللغة والعرق والدين. إننا جميعًا أبناء كوكب واحد، والألم الإنساني لا ينبغي أن يظل شأنًا محليًّا.
من حقنا، نحن أبناء الدول النامية – سواء في أفريقيا أو العالم العربي – أن نتساءل: كم من أصحاب الثروات في منطقتنا يفكّرون بهذه الطريقة؟ وكم منهم يرى في أمواله وسيلة للارتقاء بالمجتمع، لا مجرّد رصيد يتضخم في البنوك؟ نحن بحاجة إلى نماذج تُشبه بيل غيتس، ليس في حجم الثروة، بل في عمق الرؤية والإحساس والصدق في تقديم الخير والعطاء في سبيل تحقيق أفضل النتائج لتوفير سبل العيش الكريم للمحتاجين.
من المؤسف أن كثيرًا من الميسورين ورجال الأعمال في مجتمعاتنا لا يزالون بعيدين عن تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية والإنسانية، رغم ما منّ الله به عليهم من سعة في الرزق والقدرة على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس. فنادرًا ما نرى من يمد يده لدعم مشروع خيري صحي أو تعليمي أو يساهم في إنشاء مركز يخدم المجتمع، وكأنّ العمل الخيري حكرٌ على القليل القليل ممن استشعروا نعمة المال كأمانة، لا كامتياز. إن المجتمعات لا تنهض فقط بالقوانين والمؤسسات، بل بتكاتف أفرادها، خصوصًا أولئك الذين أُوتوا من النعم ما يجعلهم قادرين على إحداث التغيير، إن أرادوا.
الخلاصة.. إن ما فعله غيتس لا يعتبر صدقة، بل استثمار في المستقبل، وحين يُستثمر المال في الإنسان، فإن العائد لا يُقاس بالأرقام، بل بالأثر. هل وصلت الرسالة؟.

كاتب وإعلامي بحريني 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية