العدد 6082
الإثنين 09 يونيو 2025
الصابئة المندائية وأسطورة عين عذاري
الإثنين 09 يونيو 2025

‎قال الإمام الشافعي: “تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلا. وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ: تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ، وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد”.
راودتني هذه الأبيات الجميلة المعبرة وأنا على متن طائرة الخطوط الجوية القطرية “QR0011”، المتجهة من الدوحة إلى مطار هيثرو بلندن قبل بضعة أسابيع، عندما جلس إلى جانبي رجل أنيق، لبق، أكاديمي مثقف، في نهاية الستينات من عمره. وبعد تبادل التحيات تكلم معي بلهجة عراقية، وعرف نفسه بأن اسمه غريب شوكت، وأنه مقيم في أستراليا، ويعمل أستاذًا في جامعة نيو ساوث ويلز “UNSW” بسيدني، وأنه ينتمي إلى طائفة الصابئة أو الطائفة المندائية، وكان قد غادر مسقط رأسه بالعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهاجر إلى أستراليا هربًا من التجنيد الإجباري ومن معاناة التضييق والتهميش حسب قوله، وعرفت منه أن طائفته كان يبلغ عددها أكثر من 100 ألف شخص في العراق قبل عهد الرئيس صدام حسين، وانخفض الآن إلى أقل من 5 آلاف، وكان معظمهم قد هاجر إلى أستراليا.
ولما عرف أنني من البحرين، قال إنه يعرف الكثير عنها، وأنها مشهورة منذ القدم بأنها كانت أرض المحبة والتسامح والخلود، وقد استقطبت في العصر الحديث الكثير مِمن كان يبحث عن الأمن والأمان، فانتقل إلى الحياة فيها بمطلع القرن التاسع عشر من العراق عدد كبير نسبيًا من اليهود العراقيين وعدد قليل جدًا من الصابئة.
لم أستطع إخفاء شعوري بالغبطة والفخر والاعتزاز، ليس فقط بما قاله، بل وبالصورة الطيبة التي تحتلها بلادي في ذاكرة الآخرين.
استمر حديثنا في الطائرة، وبدأ يحدثني عن طائفته. قال إنها من أقدم الطوائف الموحدة، تعود إلى النبي آدم، وتسبق الأديان الإبراهيمية في وجودها، وأن أول أنبيائها ليس إبراهيم بل آدم، وأن التوحيد فيها ركيزة أساسية، طائفة مسالمة منفتحة، وهذا ما جعلها عرضة للتهميش والاندماج في مجتمعات وديانات أخرى، حتى بات أتباعها اليوم من الأقل عددًا.
سألني عن الصابئة في البحرين، وقبل أن أجيب أردف قائلًا إن من بين الحكايات التي كان الآباء والأجداد الصابئة يروونها أو المرويات التراثية الحديثة، أنه في القرن الخامس عشر غادر عدد من الصابئة العراقيين عن طريق البحر متجهين إلى جزيرة أوال أو البحرين، أو كما كانت تسمى قديمًا “دلمون”، حيث النخيل والمياه العذبة الجارية، فالمياه الجارية عنصر أساسي ومركزي في المعتقد المندائي، ويبدو أن هذه المجموعة استرشدت في رحلتها بأسطورة جلجامش الخالدة، فسلكوا الخط البحري الذي سلكه الملك السومري جلجامش عندما توجه إلى دلمون بحثًا عن السلام والسكينة والاستقرار والخلود.
ولما وصلوا جزيرة أوال أقاموا على ضفة مجرى ماء واسع طويل، تجري فيه مياه عذبة صافية، متدفقة منذ آلاف السنين من ينبوع مقدس عميق، كان الأهالي القدماء يهدونه كل عام، كما تقول الأسطورة، فتاة عذراء ليبتلعها فيرضى ويستمر في عطائه وتدفقه (الواضح أنه كان يشير إلى عين عذاري ومجراها الطويل).
قال إن تلك البيئة كانت مثالية لأجدادهم، فالإقامة قرب المياه الجارية شرط أساسي في التقاليد المندائية، والتعميد الدوري بالماء الجاري أحد أقدس الطقوس لديهم، ويقام أسبوعيًا، وليس مرة واحدة في العمر كما في المسيحية.
وقد التقى البرتغاليون بهذه المجموعة، حسب قوله، عندما وقعت البحرين تحت الحكم البرتغالي في القرن السادس عشر الميلادي. وسألني إن كان أحد من هذه المجموعة لا يزال يسكن في البحرين؟ وكان جوابي بأنني لا أعرف ذلك، وأنني لم أسمع أو أقرأ عن هذا الحدث من قبل، ثم سألته مازحًا إن كان قد قرأ هذه القصة أو الرواية في كتاب “ألف ليلة وليلة”، فأكد لي صحتها ووعدني بأن يرسل لي المصادر التي استقى منها هذه المعلومات.
بالطبع هذا الحديث استفزّ فضولي بشدة، ودون انتظار وصول المصادر من رفيق الرحلة وراوي القصة، غريب شوكت، بدأت على الفور رحلة التدقيق في هذه المعلومات والبحث عن أي مصدر يؤكدها أو ينفيها، فلعل في مثل هذه الحكايات الشعبية، مهما بدت بعيدة، جذورًا في التربة العميقة للذاكرة الإنسانية.
تمكنت بالفعل من الإمساك بطرف خيط رفيع قد يقودني إلى المصدر العلمي الموثق، فقد جاء في كتاب “المندائيون: آخر الغنوصيين” (The Mandaeans: The last Gnostics) للعالم الإيطالي Edmundo Lupieri، أنه خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، أطلق أعضاء الإرسالية الكرملية في البصرة على المندائيين اسم “مسيحيي القديس يوحنا”، استنادًا إلى وصف تقارير مبشّرين أمثال إغناطيوس اليسوعي لهم. كما التقى بعض اليسوعيين البرتغاليين ببعض مسيحيي القديس يوحنا قرب مضيق هرمز سنة 1559م، عندما حارب الأسطول البرتغالي الجيش العثماني في البحرين، لكن هذه المعلومة لا تغطي المساحة المطلوبة، ولا تفي بالغرض المنشود، وسأظل أبحث عن مصادر أخرى، وقد لا أجد الإجابة، لكن ربما تكفي هذه الرحلة القصيرة في ذاكرة شعب منسي لإعادة فتح نافذة على تراث إنساني يستحق التأمل والاهتمام.
بحثت في الذاكرة البحرينية الحية بين عدد من الأصدقاء والمعارف المهتمين بمثل هذه الأمور عن الصابئة في البحرين، فلم أجد إلا لمحات طفيفة للصائغ عبدالرزاق الرومي - أطال الله في عمره - الذي تحول إلى الإسلام فور وصوله للبحرين قبل حوالي مئة عام، والصائغ المتألق زهرون عمارة الذي افتتح متجرًا له بشارع باب البحرين.
وفي الذاكرة الإسلامية والقرآنية، ورد ذكر الصابئة في ثلاث آيات قرآنية، كلها تجمعهم مع اليهود والنصارى، وتقر لهم بالإيمان، في سورة البقرة: “إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا…”، وفي سورة المائدة: “إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى...”، وفي سورة الحج: “إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين…”
وقد حيّرت هذه الآيات المفسرين، ليس بسبب ترتيبها اللغوي فقط، بل أيضًا بسبب غموض هوية الصابئة الحقيقية، فتعددت الآراء واختلفت المواقف.
لكن الواضح أن القرآن الكريم لم يحكم عليهم بالكفر، بل ربط نجاتهم بـ “الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح”؛ ما منحهم وضعًا فريدًا ضمن نسيج التعدد الديني في صدر الإسلام.
واختلفت المدارس الفقهية الإسلامية في حكم الصابئة، وتحديدًا: هل يُعدّون من “أهل الكتاب” فيُعاملون معاملة اليهود والنصارى أم لا؟ بعض فقهاء المالكية والشافعيّة كانوا يميلون إلى معاملتهم معاملة أهل الكتاب، بينما تشددت بعض المدارس الحنبلية في رفض هذا الاعتراف، وكذلك هو حال الشيعة الإمامية الذين انقسم مراجعهم بين من يعتبر الصابئة من أهل الكتاب ومن يرفض ذلك.
ولنعد إلى الصابئة في البحرين، وأسطورة عين عذاري، وكيف يبحث المهمشون في الأرض عن سردياتهم بين صفحات التاريخ وعلى أعتاب الأساطير. الصابئة مجموعة صغيرة مهمشة في عالم يتسارع فيه التاريخ ويُعيد ترتيب أولوياته، تُنسى الشعوب الصغيرة، وتذوب الأقليات المسالمة في ضجيج الصراعات الكبرى. هكذا هو حال الصابئة المندائيين، الذين ظلوا على مدى قرون يعيشون على هامش الخريطة السياسية والدينية، متمسكين بدينهم وطقوسهم، دون أن يُسجّلهم أحد في دفاتر النخب أو خرائط القوى.
إن الفصل بين الأسطورة والتاريخ ليس دائمًا واضحًا أو عادلًا. فالأسطورة ليست بالضرورة خرافة، بل مرآة لحقيقة خافتة لم تُدوَّن، أو ذاكرة جمعية تشبثت بالحياة عبر الرواية الشفهية حين خانها القلم والمحرر والمؤرّخ.
إن البحث عن وجود الصابئة في البحرين، وعلى ضفاف مجرى عين عذاري، حتى لو لم يُسفر عن وثائق ثابتة يبقى جزءا من هذا التمرين المعرفي والأخلاقي على الإصغاء إلى ما لم يُقل، ومحاولة لصياغة أسئلة جديدة، لا إجابات جاهزة، فربما لا نصل إلى يقين، لكننا نُضيف خطوة في رحلة أوسع نحو الاعتراف بالإنسان المختلف، بكل ما يحمله من صمتٍ وألمٍ وحكمة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية