العدد 6072
الجمعة 30 مايو 2025
الغيرة والحسد.. حين تُختبر معادن الناس
الجمعة 30 مايو 2025

موضوع مقالي اليوم ليس جديدًا على القارئ الكريم، فقد تطرّقت إليه من قبل وأود تكرار طرحه لعلّ وعسى أحقق تقدمًا في النوايا. قال تعالى “وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”. كثيرًا ما تكشف لنا المواقف اليومية البسيطة حقيقة النفوس، وتُظهر لنا المعادن الأصيلة من تلك المُقلَّدة. وفي زمن أصبحت فيه الأخبار السعيدة والحزينة تنتقل في لحظتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بات سلوك الناس تجاه هذه الأحداث مقياسًا دقيقًا لصفاء القلوب. قد تفرح لنجاح صديق، أو شفاء مريض، أو تخرج ابن أحدهم، وتُبادر بتهنئة أو دعاء أو حتى بإشارة إعجاب.. لكنك تفاجأ بصمت مطبق في كثير من المناسبات! لا تهنئة، لا تعليق، لا تفاعل، وكأن الفرح لك يثقل على البعض، وكأن الكلام الطيب بات عملة نادرة!

في اعتقادي، هذا البخل العاطفي له آثار اجتماعية عميقة، فالصمت في موضع التهاني أو المواساة ليس حيادًا، بل قد يُقرأ كجفاء، أو أسوأ من ذلك، كحسدٍ مقنّع. والمحصلة؟ تآكل الثقة بين الأفراد، وتراجع حرارة العلاقات، واتساع الفجوة النفسية بين الناس. إن طاقة الحقد لن توصل الإنسان إلى مكان، لكن طاقة الصفح التي تتجلى في الحب ستحوّل حياته بشكل إيجابي. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”، وهي كلمة بسيطة قد تصنع أثرًا كبيرًا في قلب إنسان. فنحن لا نحتاج إلى أن نكون أغنياء لنعطي، فمجرد كلمة تشجيع، أو مشاركة صادقة، أو دعاء مكتوب، قد يكون له وقع السكينة في قلب متعب، أو قد يكون دافعًا لمن أنجز ليواصل طريقه.

للأسف الشديد، يظن البعض أن تهنئة الآخرين تنقص منه، أو أن إظهار الفرح لنجاح غيره يُشعره بالدونية، وهذا خلل في المفهوم قبل أن يكون خللًا في السلوك. فالرزق بيد الله، والفرح لا يُوزّع على حساب أحد، بل إن القلوب التي تفرح لغيرها هي القلوب التي تعرف طعم الراحة والرضا.

فنحن لا نحتاج إلى كثير من التأمل لندرك حجم هذا الخلل. خذ مثلًا إعلان أحدهم ترقيته في العمل، أو احتفاله بزفاف ابنه، أو شفاءه من وعكة صحية.. كم شخصًا يفرح له من قلبه؟ وكم يمر الخبر عليهم وكأنه لا يعنيهم، بل وربما يُخفي بعضهم امتعاضه بابتسامة صفراء أو تجاهل متعمد؟

تخيلوا أن أحد الأصدقاء اشتكى لي ذات مرة بأن ابنته تخرجت بامتياز في الطب من جامعة مرموقة، وقد حرص كغيره على أن ينشر الخبر مع صورة جميلة تجمعه مع ابنته وعائلته في الصحف المحلية من شدة فرحته وزوجته لهذا الإنجاز الكبير لابنتهما. ولكنهم تفاجأوا بأنهم تلقوا التهاني والتبريكات من الغريب وليس القريب! فكثير من الأشخاص الذين يعتبرهم قريبين له أو لها لم يحرك فيهم الخبر ساكنًا! تخيلوا معي هذا الموقف المحبط الذي يعطينا إشارة واحدة لا غير عن الحسد والغيرة! ألا تتفقون معي؟

والحال نفسه ينطبق على الكثير من الفعاليات والمناسبات الأخرى التي تغيب عن الناس في الذوق والأصول والسنع والإتيكيت! فعلى سبيل المثال وليس الحصر، الكثير من الناس يتلقون دعوات لحضور مناسبات مختلفة، لكنهم لا يلتزمون بالحضور ولا يكلفون أنفسهم حتى الاعتذار! وفي المقابل، إذا لم يتلق الدعوة فإنه يقيم الدنيا ويقعدها، ويصب جام غضبه على صاحب الدعوة! فهذا هو واقعنا المر، وأقولها بحسرة شديدة على هذه الصفات والطباع التي نعيشها اليوم.

ولكي أثبت للقارئ تأثير الكلمة الطيبة وجبر الخواطر، دعوني أرجع إلى مقالي الذي نشر بتاريخ 23 مايو الجاري بعنوان “فاطمة... أرفع لك القبعة”، فعندما قرّرت أن أكتب عن هذه السيدة الملهمة كان هدفي هو إبرازها على أنها نموذج ومثال يحتذى به في الصبر والإرادة القوية والعزيمة. فموضوع مقالي كان منصبًّا على هذه المسألة، بالإضافة إلى إيصال رسالة إلى المسؤولين في الجامعات الخاصة عندنا بضرورة منحها فرصة الدراسة والتكفل بمصاريف الدراسة أو مساعدتها بإعطائها تخفيضًا على الرسوم.

كاتب المقال تواصل مع هذه السيدة الفاضلة وتكلم معها هاتفيا ليخبرها عن المقال الذي نشره عنها. وعلى الرغم من أنها تفاجأت بالمكالمة غير المتوقعة ومن شخص لا يعرفها أصلاً، إلا أنها أعربت عن تقديرها واعتزازها لهذه المبادرة التي حسب وصفها تمثل جرعة إيجابية.

تفاجأت في اليوم التالي بمكالمة هاتفية منها ولكم أن تتخيلوا كم كانت سعيدة وممتنة لي، وبصراحة تامة كانت تتكلم معي وهي تشكر وتشكر وتشكر وتدعو رب العالمين أن يحميني ويوفقني ويسبغ علي ثوب الصحة والعافية، لم تعطني فرصة للتحدث فقد كانت غير متوقعة أن يقوم أحد لا يعرفها بالكتابة عن قصتها.

بالله عليكم، كم يستحق هذا الموقف من إنسانة بسيطة جدًّا تدعو لك كل هذه الدعوات عند الله. لقد قصدت أن أكتب عن هذا الموقف لأثبت أهمية الكلمة الطيبة وجبر الخواطر، وتذكروا أن ما قمت به من عمل لم يكلفن شيئًا! كلي أمل أن يتحقق حلمها بالحصول على منحة الدراسة الجامعية نظرًا لأن ظروفها المادية صعبة جدًّا. وأنا على ثقة بأن الدنيا بخير وأصحاب الأيادي البيضاء لا يدخرون جهدًا في مساعدتها.

الخلاصة... إن إعادة بناء ثقافة “الكلمة الطيبة” ليست ترفًا اجتماعيًّا، بل ضرورة للحفاظ على تماسكنا الإنساني. لنتذكّر دومًا أن التفاعل الإيجابي ليس رفاهية، بل هو صمام أمان لأي مجتمع سليم، وتذكروا أيضًا أن الدين “معاملة”.. والكلام لك يا جارة.

 

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية