في زمنٍ أصبحت فيه الصورة تتحدث قبل الكلمة، باتت الفيديوهات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أداةً مؤثرة في تشكيل الرأي العام، بل وفي تضليله أحيانًا! ولا يكاد يمر يوم دون أن تصلنا مقاطع مصورة تُشعل الغضب، تُثير الشك، تُلهب المشاعر، ليتبين لاحقًا بعد فوات الأوان أنها مفبركة، أو مجتزأة من سياقها، أو معدّلة بتقنيات رقمية تجعل من الكذب فنًّا يصعب اكتشافه.
فعلى سبيل المثال، قبل أيام ضجّت مواقع التواصل بمقطع فيديو لامرأة ترقص وسط ساحة الطواف في الحرم المكي، وانتشر المقطع كالنار في الهشيم، وانهالت التعليقات الغاضبة والمستنكِرة، بل طالب البعض بمحاسبة “المتورطة”، لكن الحقيقة ظهرت لاحقًا أن الفيديو مفبرك رقميًّا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعديل الصور (deepfake)، والمرأة لم تكن في مكة أصلًا، بل تم تركيب صورتها على خلفية الحرم بطريقة احترافية. ولا يمكن أن نفترض أن الواقعة صحيحة وغير مفبركة، لأن الأمر من رابع المستحيلات من وجهة نظري، فبحسب حجاج بيت الله الحرام فإن رجال الأمن (من الجنسين) منتشرين في كل زاوية ولا يمكن لمثل هذه الأمور أن تحصل بكل أريحية من قبل أي حاج أو حاجة.
إن هذا النموذج الصارخ يطرح تساؤلات مقلقة.. ما الهدف من نشر مقطع كهذا؟ هل هو مجرد عبث رقمي؟ أم محاولة متعمدة للإساءة إلى الإسلام والمسلمين؟ وهل نحن كمجتمعات نملك ما يكفي من الوعي لمواجهة هذه الحيل، أم أننا أصبحنا بيئة خصبة لنموها وانتشارها؟.
الصدمة لا تكمن في الفعل فحسب، بل في سرعة انتشاره، وفي القابلية التي باتت مجتمعاتنا تُبديها لتصديق كل ما يُنشر، دون تحقق أو تروٍّ. لقد أصبحنا نعيش في عصر “الصدق الرقمي المزيف”، حيث يمكن لأي شخص أن يصنع حقيقة بديلة بكبسة زر.
في المقابل، أعلم تمامًا أنه لا توجد عصا سحرية توقف هذا السيل الجارف من التضليل، لكن هناك حلول ممكنة، تبدأ من الوعي وتنتهي بالمساءلة، إذ يجب أن تصبح عادةً يومية أن نتريث قبل مشاركة أي مقطع، وأن نطرح أسئلة بسيطة: من نشره؟ متى؟ هل توجد مصادر موثوقة تؤكده؟ هل من الممكن أن يكون قديمًا أو معدلًا؟ ولابد من تضمين مناهج التعليم مواد تُدرّس الأجيال كيفية التحقق من الأخبار والصور والفيديوهات، وتمييز المصادر الموثوقة من غيرها.
كما يجب أن تحمل شركات التواصل الاجتماعي دورًا أكبر في التحقق من صحة المحتوى، من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتبليغ المجتمعي، وتوفير إشارات تنبيهية حول المواد المشكوك فيها. ناهيك عن سنّ تشريعات تحاسب المفبرِكين، ومن الضروري وجود قوانين واضحة ورادعة تجرّم فبركة الفيديوهات بغرض التضليل أو التشهير أو إثارة الفتنة.
كما يجب على المؤسسات الإعلامية أن تكون الحصن الأول في مواجهة هذا المد، من خلال التحقيق في صحة المواد المتداولة، ونشر التوضيحات، وكشف التزييف.
في النهاية، لا يمكننا أن نمنع كل مقطع مفبرك من الظهور، لكن يمكننا أن نمنع أنفسنا من أن نكون أداةً في نشره. فكما يُقال: “ليست المشكلة في أن تُخدع، بل في أن تُصرّ على تصديق الخديعة بعد انكشافها”.
الخلاصة.. من وجهة نظري المتواضعة فإن الذكاء الاصطناعي مثل أي اختراع تكنولوجي آخر عمل لخدمة البشرية وليس للإضرار بها، لكن ما يحدث مع الأسف هو عكس ذلك تمامًا، إذ إن كثيرًا من الأشخاص يسيئون استخدامه لحاجة في نفس يعقوب أو لخدمة أجندات معينة.. والله الحافظ.
كاتب وإعلامي بحريني