أظهرت كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مؤخرًا، كم هو مرعوب من فكرة إيقاف الحرب، معيدًا وبشكل وفج إنتاج خطابات وسرديات عتاة الصهيونية المتطرفة وشعارات الإبادة والترانسفير القسري لأصحاب الأرض الأصليين. لم يعد إيقاف الحرب رهنا باستسلام حماس أو تجريدها من سلاحها، بل رهنا بتهجير من نجا من الإبادة الجماعية من الفلسطينيين.
لقد أظهرت خطابات معسكر اليمين المتطرف الذي يقوده نتنياهو أن وراء الشعارات المتكررة مثل “دعوا الجيش ينتصر”، وجود أزمة “الكيانية الإسرائيلية”، راسمة صورة يلفها التشاؤم والسواد رغم الاستخدام العشوائي والانتقامي للقوة العسكرية. فإسرائيل اليوم محاصرة داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا وأخلاقيًّا، وشعار “فلسطين حرة” يطارد المسؤولين الإسرائيليين حيثما حلوا، بل والمسؤولين الغربيين المشاركين في المجزة أو داعميها.
لقد فشلت جميع الحلول العسكرية والأمنية، وحتى جهنم “أورانيم” التي أرادها نتنياهو لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، وبدا واضحًا أن أحلامه في قيام “الدولة القومية اليهودية” على كامل فلسطين التاريخية قد احترقت، ولم يبق أمامه إلا مواصلة الإبادة في ظل التواطؤ الغربي المشين والضعف العربي المعيب. لكن حتى هذه الإبادة المفتوحة لن تحقق لنتنياهو أهدافه المعلنة وغير المعلنة، فالفلسطينيون لن يتركوا أرضهم مهما كلفهم الأمر ذلك. وحتى مشروع “الدولة القومية اليهودية” على الأراضي المحتلة في 1948، بات مستحيلًا، فعرب الداخل، يشكلون حاليًّا أكثر من 20 % من عدد السكان والنسبة مرشحة للارتفاع في المستقبل، ما يجعل تأثيرهم في تزايد يرعب اليمين المتطرف.
وحتى جدار الفصل العنصري لم يأت بالنتيجة المرجوة، إذ حول إسرائيل نفسها إلى العيش داخل غيتو.
إن الحلول البائسة اليائسة لم تنجح في شطب القضية الفلسطينية خارج حياة الإسرائيليين، وخارج وعيهم، وهذا جزء من أزمة اليمين الإسرائيلي العنصري المريض، ومن أزمة اليسار الفاشل الذي يسمى نفسه بمعسكر السلام ويتحمل مسؤولية الإخفاق في مسيرة أوسلو. لم تعد في الأمر أية خديعة فقادة الليكود والعمل الذين تداولوا على السلطة ظلوا أوفياء لأفكارهم العنصرية المريضة المرعوبة من السلام. فحتى رابين الذي وقعت في عهده اتفاقيات أوسلو في 1993م، قد بقي عند موقفه الذي أبلغه ذات يوم لوزير الخارجية الأميركي عام 1974 (إن القبول بإقامة دولة فلسطينية هو حكم بالموت على إسرائيل). وذلك ضمن الهلاوس السمعية والبصرية الإسرائيلية!.
كاتب وإعلامي بحريني