العدد 6036
الخميس 24 أبريل 2025
اليوم العالمي للإبداع والابتكار
الخميس 24 أبريل 2025

 احتفل العالم يوم الإثنين الماضي باليوم (العالمي للإبداع والابتكار)، ومنظمة التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة أكدت أن الإبداع مفتاح العصر، حيث إن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإبداع والتنافسية الرقمية، فلا تطور لأية أمة من الأمم في أي مجال من المجالات إلا بالتفكير الإبداعي، وأصبح الإبداع ليس اختياريًّا نعمل به أو لا نعمل، إنما أصبح شيئًا ملحًّا، لذا أصبح الإبداع في مجالاته المختلفة العلمية والأدبية والفنية والعملية والخدماتية، الورقة الرابحة في عصر تميز بالسرعة والتطور في جميع المجالات، بما فيها مجال الاكتشافات العلمية والتكنولوجية. ومن جانب آخر ازدياد وتنوع مشكلات الفرد والمجتمع البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبيعية وما تتطلبه هذه المشكلات من حلول جديدة ومبتكرة جعل من الإبداع موضوعًا محوريًّا لجميع الدراسات.
والنشاط الإبداعي وإن كان نتاجًا فرديًّا إلا أنه يستند لأبعاد اجتماعية وثقافية، حيث يتحقق الإنتاج الإبداعي من خلال التفاعل بين قدرات فريدة لدى المبدع وبين الظروف الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها ومدى تقدير المنتج الإبداعي في هذه الظروف، والنتائج المثمرة لهذا المنتج على الآخرين. وعبر عالم النفس “ايزنك” عن محنة المبدع في عبارة شديدة الدلالة عندما قال: “يرى الكثيرون أننا ندين للإبداع والأصالة والمبتكرات الخلاقة بالكثير، وأننا نحترم بالفعل هذه القدرات ونعطيها قيمتها المناسبة، وأبادر فأقول إنني أتفق مع الشطر الأول من هذه الجملة، ولا أتفق مع الشطر الثاني منها: فنحن بالفعل ندين للأصالة والإبداع بالكثير، أما أننا نقدّر الإبداع ونعطيه حقا القيمة التي يستحقها فأنا أشك في ذلك كثيرًا”.

رغم أن الاهتمام بدراسة الجوانب الاجتماعية والثقافية التي ترتبط بالإبداع بدأ منذ بداية اهتمام علماء النفس بالإبداع، إلا أنه من الملاحظ أن أكثر هذه الدراسات - خصوصًا الدراسات التي أجريت في البيئة العربية - تركز على دراسة أساليب التنشئة الأسرية في مرحلة الطفولة، والتي ترتبط بتنمية الإبداع لدى الأبناء. ورغم أننا لا نستطيع أن نغفل دور التنشئة الأسرية في تنمية الإبداع منذ الطفولة المبكرة، إلا أن السياق الاجتماعي والثقافي الذي ينمو فيه الإبداع لا يقتصر على التأثيرات الأسرية فقط، إنما هناك التأثيرات الاجتماعية والثقافية التي مصدرها خارج الأسرة والتي تمتد مع الإنسان خلال مراحل النمو المختلفة وتتفاعل مع المناخ الأسري لكي تشكل ما يطلق عليه “المناخ العام للإبداع” في المجتمع، والذي يساهم بدوره في توفير المناخ الاجتماعي الثقافي الملائم للإبداع.
والشخصية المبدعة في أي مجال من المجالات لا توجد خارج الإطار الاجتماعي. لقد كتب عالم النفس السويسري (جان بياجية، 1971): “إن المجتمع وحدة عالية، أما الفرد فإنه لا يصل إلى ابتكاراته وأعماله العقلية إلا بمقدار ما يحتل مكانا في تفاعل الجماعات، وبالتالي في إطار المجتمع ككل. إن كبار الناس الذين خطوا اتجاهات جديدة لم تكن إلا في نتاج تفاعل وتركيب لأفكار أعدت في إطار تعاون مستمر”. وعليه لا يمكن أن نغفل أثر السياق الاجتماعي الثقافي الذي نشأ فيه المبدع في تنمية الإبداع لديه، منذ مراحل حياته الأولى إلى أن يصل إلى قمة إنتاجه وعطائه الإبداعي في مرحلة الرشد وما بعدها.
لذلك وبناء على ما سبق تتنافس المؤسسات الإنتاجية في عصرنا الحاضر في إيجاد البيئة الإبداعية المحفزة للعمل، وذلك لما لبيئة العمل الإبداعية من دور في تحفيز الموظفين والعاملين نحو زيادة دافعتيهم نحو العمل. ولعل من أهم الأشخاص الذين يمكن أن يلعبوا دورًا رئيسًا في هذا المجال هو القائد. ومن هذا المنطلق أصبحت مهمة القائد هو العمل على تعزيز مقومات البيئة الإبداعية في محيط العمل. ولعل من أهم مقومات البيئة الإبداعية في محيط العمل الأدوار التي يجب أن يتبناها القائد لكي يكون له التأثير الإيجابي على العاملين. إن الموظف أو العامل هو إنسان يتأثر أداؤه في العمل بالعلاقة بينه وبين القائد أو المسؤول، وبالمناخ العام السائد في بيئة العامل.
إن بيئة العمل يجب أن تكون محفزة للمبدع حتى يبدع في عمله لذا من المهم تقدير الموظف المبدع واحترامه وتخصيص الحوافز المادية له ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب في العمل، ومما آخر بعض الدول في التقدم والتنمية العمل في اتجاه معاكس لهذه المبادئ التي يجب أن تلتزم بها في بيئة العمل حتى تكون بيئة عمل إبداعية تشجع على الإبداع والإنتاج المتميز.

 

كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .