يرتبط الفكر بالحرية والفضاءات المفتوحة، لكن في واقع الحال فإن الحرية في البلاد العربية محدودة أو مقيدة ومحفوفة بالمخاطر، لذلك لا نستغرب أن يكون المثقف حذرا مترددا ميالا إلى التقليد والاجترار، متجنبا ارتياد الآفاق الصعبة!
ليست المشكلة في المثقف فحسب، بل هي أيضاً مجتمعية وسياسية في ذات الوقت، فالنظام العربي يعيش في حلقة مفرغة من فقدان الوزن وعدم الحسم، وعدم القدرة على فهم ما يحدث بشكل صحيح، غير قادر على تحديد أهدافه بسبب اضطراب الرؤى وتعدد المدخلات المتناقضة. ومن الطبيعي أن نكون غير قادرين على استيعاب حقيقة المخاطر التي تهدد وجودنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة مادام هذا هو حالنا. وفي ظل هذا الوضع، قد يبدو المطلوب من المثقف العربي أقرب إلى المعجزة. مطلوب منه أن يستوعب ما يجري على الأرض وتحليله، وما يجري على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وأن يمسك مفاتيح التقدم ويستشرف المستقبل والآفاق والأخطار المحتملة.
وكلمة المستقبل تكاد تكون في إطارها الفكري الفردي والمؤسسي غائبة عندنا أو شبه غائبة في الواقع، بالرغم من حضورها الفاقع في القول والثرثرة اليومية، (الكل يتحدث عن الدراسات المستقبلية والاستراتيجيات و...)، منذ أن أضيف المستقبل إلى سلسة القياسات الحضارية التي تنشطر الأمم على أساسها وتتحدد على ضوئها علامات التقدم والوهن بين الشعوب والثقافات.
فإذا الأولى وعي بأهمية الاستشراف العلمي للمستقبل وتقدير الآفاق الكبرى التي تفتحها الدراسات المستقبلية، وإذا الثانية تهميش لدور الدراسات وتعويم للمفاهيم المستقبلية كترجمة للعجز والخوف من ارتياد المستقبل وعدم القدرة على الفعل في الحاضر.
ولذلك تظل الدراسات الاستراتيجية عندنا غريبة عن آليات تفكيرنا وحقول اهتمامنا الجدي في لحظة تدخل فيها (علوم المستقبليات) جيلها الرابع في سياق مندمج مع الثورة العلمية المعلوماتية الكاسحة في اليابان وأميركا الشمالية وأوروبا الغربية. إن هذا الغياب عن المستقبل وبقاء ثقافتنا على الهامش مشدودة إلى اهتماماتها التكرارية والنقل وإحياء التراث، مظهر من مظاهر العجز وعدم القدرة على الاختراق والتجاوز. كما أن إنشاء مراكز للدارسات “الاستراتيجية” أمر مهم، لكنه غير كاف إذا لم يستوعب المستقبل ضمن دائرته وإذا لم يستوعب الحقل الثقافي.
كاتب وإعلامي بحريني