في سياق الإجابة على السؤال أعلاه، هناك مقاربتان:
الأولى مبنية على الطرح الماركسي: إن “الفلاسفة أضاعوا وقتهم في فهم العالم في حين أن المطلوب هو تغيير العالم”، بما يعني أن المفكر والأديب ليسا مثل الأكاديمي التكنوقراطي معنيان بالقضايا المجتمعية وهما صاحبا رسالة، فالأديب يهجس دائمًا بالمجتمع حتى إذا كان منكبًّا على ذاته، والمفكر يحمل رسالة تغيير المجتمع بالدرجة الأولى.
الثانية: أن المطلوب من المثقف تكريس جهده لفهم العالم وتحليله والتقرب من أسراره. لقد حدث تغير في موضوع الثقافة وأصبح على المثقف أن يبحث عن دور جديد في سياق مجتمعي ومعرفي وإعلامي مختلف.. فالتحولات التي حدثت في آليات إنتاج الثقافة لها دور في إشكالية الثقافة نفسها. ولم تعد هناك مؤسسة واحدة لإنتاج الثقافة يتحدث من خلالها المثقفون.. فهناك العديد من الوسائل والآليات الجديدة التي تسهم في تسويق الثقافة وتوفر فرصة للمثقفين والمبدعين للبروز وتحقيق ذواتهم الثقافية والإبداعية، لذلك لم يعد الأديب حريصًا على التواجد في بعض المؤسسات الثقافية التقليدية، لأنها لا تقدم له شيئًا كثيرًا. والتغيير حدث أيضًا في دور المثقف، فلم يعد هو ضمير المجتمع.. فهذا المفهوم انتهى تقريبًا، فالمثقف اليوم مشغول بتكريس مقولاته وذاته أكثر مما هو مهتم بتغيير المجتمع.
وفي الواقع فإن المقاربتين تتكاملان في النظر إلى دور الفكر والثقافة والإبداع في المجتمع، حيث سيبقى الفكر يقود المجتمعات ويؤثر فيها.
ولا يمكن أن تنهض على الخرافة والسحر والأوهام، بل تحتاج إلى رؤية تقودها، فيُسهم الفكر في تحقيق الأثر الحضاري المطلوب وتطوير القيم الإنسانية والثقافية واستثمار الموارد بكفاءة. ولذلك يحظى المفكرون والمبدعون والمثقفون بوجه عام بمكانة رفيعة في المجتمعات والحضارات المتقدمة عبر العصور. وإن تعظيم شأن الفكر والثقافة لا يعني سيادة الفكري والثقافي، بل يعني أن يكون الثقافي طاقة توجيه وخلق تقطع مع النفعية المباشرة والممارسات التي شوهت وأعاقت تطور المجتمعات وحرمتنا لمدة طويلة من بروز قامات إبداعية تجسّد حضورنا الثقافي العربي على صعيد العالم الحيّ.
كاتب وإعلامي بحريني