العدد 6013
الثلاثاء 01 أبريل 2025
جاءني “البيان التالي”!
الثلاثاء 01 أبريل 2025

قبل أن أنتهي من كتابة المقالتين السابقتين اللتين حملتا عنوان “ليلة من السماء” تيمنًا بمجالس شهر مضان الفضيل، وكيف أن ثوابتنا وتقاليدنا تجلت بهذا المستوى لتربطنا بالعالم الكبير، وبالآخر المختلف، حتى فاجأني الزميل العزيز راشد الغائب برسالة لم أتوقعها منحازًا فيها إلي، ومشيدًا بالتناول في هذه الأيام المباركة. بطبيعة الحال كانت سعادتي بالغة وكنت مثل الذين يستطلعون هلال الأشهر “الحرم”، لا يتوقع دائمًا رؤية واضحة، أو دليلا قاطعا على الرؤية، فقد تكون السحب الرمادية كثيفة، وقد تكون بريئة براءة الذئب من دماء الباحثين عن الهلال، وقد تكون الرياح عاتية فينحرف النظر ناحية الصواري، أكثر من انحرافه صوب السماء.

باغتني الزميل العزيز راشد الغائب بكلمات أعتقد بأنه منحاز لي فيها، لأن شهادتنا في من نحب دائمًا مجروحة، وانحيازنا العاطفي إليهم أصبح قاب قوسين أو أدنى من رؤية الصواري المرفرفة على أنها “أهلة” لشهر فضيل، والمقالات المكتوبة على أنها جزء من روح عامرة بالحب لكائن من كان. “أيها الصديق العابر بين الأرواح والكلمات، قرأت مقالك فوجدتني في مجلس ليس ككل المجالس، مجلس تحضر فيه الإنسانية قبل السياسة، ويتجلى فيه الحوار كجسر لا كحاجز. لقد أمسكت بالقلم، لا لتكتب عن لقاء، بل لتضيء زوايا لا تراها العيون، بل تشعر بها القلوب. في وصفك، رأينا كيف يكون اللقاء مساحة للتفاهم، لا ساحة للجدل، وكيف يجمعنا الشهر الفضيل تحت سماء واحدة رغم اختلاف المواقف واللغات”. 

مقالك رحلة، امتدت من ذكريات باريس إلى صدى الحضارة المصرية، ومن حوار السفراء إلى دفء الحنين. اخترت أن ترى الإنسان قبل منصبه، والموقف قبل المصلحة، فكنت شاهدًا على لحظة نادرة، يتحدث فيها الشرق والغرب بلسان القلب. مقالك ليس فقط خبرًا يُروى، بل إنه درس في كيف تكون الصحافة جسرًا إلى الفهم، وكيف يكون الإنسان أوسع من كل المسافات”.

إلى هنا ينتهي الصديق من تعليقه الكريم، رغم ذلك لم تنته الحالة التي منحتني قدرًا من العفوية وأنا أسألهم العبر من لقاءات المختلفين، وهؤلاء المتباعدين المبعدين “بأيادينا لا بيد عمرو”، تمامًا مثلما جاءت كلمات المهني العزيز أنني لست دائمًا على حق ولو كنت أحيانا على باطل، وأن سواي ليس دائماً على باطل لأنه كان في يوم من الأيام كذلك، لا أحد يمتلك كامل الحقيقة، وكلية الرؤية، وكمال المعنى، ونجومية الحرف، فكل شيء بمقدار طالما أن العين المجردة التي ترى، لا ترى، وأن اللجوء إلى المجهر أو التليسكوب الرقمي الفلكي يسهل علينا ما نحن مقبلون عليه لكي نراه أكثر وضوحاً، وأعمق أثرًا، فنؤمن به وكأننا لم نؤمن من قبل، ونتحرى عليه، كما لو أننا نشك في حقيقة اللحظة التي اختطفتنا من هول الكتابة، إلى حساسية المواقف كلها.

“ليلة من السماء” هي جزء مما عودتموني عليه أيها الصديق الغالي، “تعليق على ما حدث” أم “جاءني البيان التالي”، لا يهم، المهم أن يكون التواصل قائماً على المحبة واحترام الآخر، على الفهم والفهم المقابل، لا الجدل العقيم، وأي جدل والسلام.

من هنا شعرت بأن ختامه مسك، الشهر الفضيل ختامه مسك، وعساكم من عوادة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .