العدد 6010
السبت 29 مارس 2025
نفير العودة في ماليزيا.. وسكون الاقتصاد المعلق
السبت 29 مارس 2025

في زمن الأعياد، لا تقيس الشعوب مواسمها بالتقويم، بل بنبض القلوب وسكون الطرقات وضجيج المحطات. ومع اقتراب عيد الفطر في ماليزيا، يبدأ حراك يشبه المدّ البحري، لا ترده سدود ولا تصده إشارات مرور. يسمّونه هنا “باليء كامبونغ” وتعني العودة إلى القرية، لا باعتبارها جغرافيا الريف، بل باعتبارها ذاكرة متجذّرة في الروح، حيث لا يزال للأرض رائحة الجدّات، وللمائدة نكهة الطفولة، ويجلس الحنين في المقعد الأمامي، يوجّه الطريق بصمتٍ لا يُناقَش.
في هذه الأيام، تتبدل معالم العاصمة كوالالمبور، فتخلو الشوارع شيئًا فشيئًا من ضجيجها المعتاد، وتنكمش الحياة الحضرية كما تنكمش المدن في قصائد محمود درويش حين يصف الاغتراب الداخلي. وبالمقابل، تنبض القرى بالحياة، وتُبعث فيها الحركة التجارية، كأن الريف يستعيد لحظته التاريخية التي خطفها منه الزمن الصناعي. 
وتشير تقارير وزارة النقل الماليزية إلى أن أكثر من 2.5 مليون ماليزي يتنقلون من المدن إلى مناطقهم الأصلية خلال الأيام العشرة السابقة لعيد الفطر، مستخدمين وسائل نقل برية وجوية؛ ما يرفع نسبة الإقبال على التذاكر بنسبة تتجاوز 45 % مقارنة بالأيام العادية.
لكن ما يبدو مشهدًا إنسانيًّا دافئًا، يخفي خلفه جدلية اقتصادية معقدة، فبينما تنعش العودة الاقتصاد الريفي مؤقتًا - عبر ازدهار سوق الأغذية المحلية وزيادة الطلب على السلع الأساسية - تتكبد المدن خسائر في الإنتاجية والإنفاق الاستهلاكي، حيث تغلق العديد من المتاجر والمكاتب، ويقلّ النشاط في القطاع الخدمي بنسبة تصل إلى 30 % وفقًا لتحليل صادر عن مركز الدراسات الاقتصادية الماليزي.
وتتحول محطات الباصات والقطارات والمطارات في ماليزيا إلى مسارح مكتظة بالمغادرين، حيث أظهرت بيانات شركة القطارات الوطنية أن حجوزات القطارات في الأسبوع الأخير من رمضان تصل إلى 100 % خلال الساعات الذهبية من السفر، مع زيادة بنسبة 20 % في عدد الرحلات المُضافة لتغطية الطلب الموسمي. 
فلسفيًّا، ما هذه الظاهرة إلا استجابة جمعيّة لذاكرة جماعية لا تزال تحتفظ بقيم العائلة، وشعور الانتماء، و “البيت الأول” كما يسميه الفيلسوف غاستون باشلار. إنها مقاومة صامتة لفردانية العصر، ورفض ضمني لعالم افتراضي يُقزّم القرابة، ويُبدّد روابط الدمّ في محيط من الاتصالات الباردة.
قد تبدو “العودة إلى القرية” في ظاهرها استراحة من المدينة، لكنها في باطنها احتجاج وجودي على النمطية، ورغبة دفينة في استرداد شيء من الذات المفقودة. وبينما تقيس الحكومات آثارها بالأرقام والنسب، فإن القلوب تقيسها بمقدار الدفء الذي تلمسه في وجه الأم حين تفتح الباب، لا بحسابات العرض والطلب.
وهكذا تنقلب المعادلة: السكون في العاصمة ليس موتًا، بل حياة في مكان آخر. والازدحام ليس أزمة، بل طقسٌ سنويّ يعيد للناس اتساقهم مع الزمن. إن في هذا الحراك الاقتصادي - بكل تعقيداته - دروسًا عن المعنى الأعمق للحركة، ليس كتحول في المكان، بل كهجرة نحو المعنى.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .