تكملة لمقالي السابق حول تصدر الدول الخمس: فنلندا، والدنمارك، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وكندا للتعليم في العالم في العام السابق 2024، نجد أن هناك سببًا آخر للتميز، وهو أن مهنة المعلم لها خصوصية حيث تحظى بمكانة مرموقة قد توازي مكانة مهن الأطباء والمهندسين والمحامين، وربما تزيد أحيانًا.
وتسعى الدول إلى جذب الممتازين واستقطابهم لهذه المهنة، والامتيازات التي يحصل عليها المعلم ترتقي إلى امتيازات المهن الراقية من حيث الراتب والاستحقاقات الأخرى، وتعتبر درجة الماجستير شرطًا أساسيًا لممارسة مهنة التعليم مثل فنلندا، وتُجرى مقابلات لهم، وعليهم اجتياز اختبارات عدة للحصول على إجازة التدريس لأجل ضمان وجود حب حقيقي للمهنة، وشغف كبير واضح بها قبل تسليمهم أمانة تعليم الطلبة، وتقوم بإعدادهم وتأهيلهم بصورة مكثفة وموسعة في الجامعات في مواضيع تخصصهم، وفي مساقات علم النفس وأساليب التربية النظرية والعملية المتنوعة الحديثة التي تمكنهم من أداء مهامهم والتعامل مع مستويات الطلاب وقدراتهم المتباينة. ويتصف المعلمون بالحرفية والمهنية، ولا يتم قبول كل المتقدمين لكلية التربية في الدول الخمس.
على سبيل المثال يبلغ عدد المتقدمين في برنامج لإعداد المعلمين بجامعة هلسنكي 1000 متقدم سنويًا في فنلندا، ويتم قبول 100 طالب فقط، أي أن معدل القبول 10 % فقط، لكن يتم ذلك بالطبع وفق معايير عالية. والنتيجة أن فنلندا تختار مدرسيها من نخبة النخبة، كما أن القبول في برامج إعداد المعلمين يتم بنسب تتوافق مع نسب الاحتياج للمعلمين في المدارس، حيث يعتبرون التدريس رسالة ومسؤولية وطنية، ويتحلون بالدافعية والحماس في ممارسة عملهم، ولا يشعرون بالملل والإحباط، وغالبًا ما يستمرون في وظائفهم حتى الخروج للتقاعد.
كذلك نجد أن المعلم في النظام التعليمي لديهم لا تمارس عليه رقابة من قبل أية جهة عليا؛ ليُعطى الثقة في عمله، وله مطلق الحرية في اختيار الطريقة أو الأسلوب الذي يراه مناسبًا في تعليم طلابه بحسب احتياجاتهم. والأهم من كل ذلك، أن للمعلم مكانته وتقديره في النظام والمجتمع بشكل عام مع التركيز على المهارات التربوية، خصوصا معلمي التعليم الأساسي لأجل ضمان وجود حب حقيقي للمهنة.
والملفت للنظر أن المعلم يستمر مع نفس الطالب لمدة ست سنوات، ما يساعد على إيجاد علاقة أبوية مع الطالب، ويصبح المعلم على معرفة شاملة بكل جوانب شخصية كل طالب، ما يجعل منه معلمًا ومرشدًا للطالب. أما علاقتهم بالطلاب وتعاملهم معهم فتعكس الاحترام والاحتواء والتشجيع والتوجيه والإرشاد، فنراهم يراعون “الإيقاع” الخاص لكل طالب، فلا يكلفونه فوق طاقته، ولا يتهربون من واجبهم تجاه كل طالب في المدرسة ليلجؤوا إلى إعطاء دروس خصوصية – خارج المدرسة – كما هو حاصل في دول أخرى.
وفي الختام، نؤكد أن التعليم هو في مجمله صناعة للعقول، يحتاج منا إلى أن تكون هناك طلاقة في الأفكار وانفتاح على تجارب الدول في العالم ومشاركة مجتمعية، والمسؤولية المجتمعية هي قاعدة أساسية لتطوير التعليم، وعملية التطوير مستمرة لا تتوقف عند حد معين.
*كاتب وأكاديمي بحريني