العدد 5952
الخميس 30 يناير 2025
العشيق الجديد لآلة الذكاء الاصطناعي.. “ديب سيك” يطيح بـ “ChatGPT” ويشعل الحرائق في وادي السليكون
الخميس 30 يناير 2025

ثمة تيمة مشهورة في السينما المصرية، برزت في أفلام شهيرة مثل شباب امرأة، ووكالة البلح، هي تيمة العجوز العشيق ـ المتقاعد ـ لامرأة فاتنة لعوب، الذي يظهر في آخر الفيلم وهو يضحك مبديا ما تبقى من أسنانه الصفراء المتساقطة، شماتة في عشيق جديد (صار توا سابقا) لنفس المرأة، يشرب من نفس الكأس.. كأس إحالته للتقاعد عشيقًا سابقا بعد ظهور واحد جديد أكثر شبابا وحيوية.
تكررت واقعيا نفس التيمة مؤخرا، حينما جلس الذين هددهم تطبيق شات جي تي بي بالتقاعد، يضحكون شماتة فيه، بسبب قرب إحالته للتقاعد هو أيضا بعد ظهور العشيق الجديد لوحش الذكاء الصناعي، وهو ديب سيك (DeepSeek) الصيني.
قبل أسابيع كتبت هنا، في نفس المكان، عن التهديد البالغ الذي يمثله التطبيق الصيني الجديد للتطبيقات الأميركية المتربعة باسترخاء وثقة الفرسان على عرش الذكاء الصناعي.
هذا الأسبوع وقع الزلزال إذن في الأسواق العالمية، بسبب شركة صينية ناشئة تُدعى “ديب سيك”، وفي يوم واحد فقط، فقدت كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مئات الملايين من الدولارات من قيمتها السوقية، بينما كانت الأدوات الجديدة التي قدمتها الشركة تحصد أعلى معدلات التحميل، متفوقة على أشهر النماذج مثل ChatGPT.
ولم يكن للحرائق أن تمسك بتلابيب وادي السليكون دون رد فعل مقابل، حيث ارتدت النيران إلى قلب الشركة، التي تعرضت عقب الزلزال لأعنف هجوم سيبراني من قبل المنافسين، أدى لأعطال وبطء لاحظهما كل من استخدم التطبيق الصيني خلال اليومين الفائتين، لكنه سرعان ما استرد عافيته.
قواعد جديدة للعبة
تأسست “ديب سيك” عام 2023، وفي وقت قياسي أطلقت نموذج ذكاء اصطناعي يُعرف بـ R1، استطاع أن يتفوق على نظيره GPT-4 من OpenAI. 
هذا النموذج ليس فقط قويًا من الناحية التقنية، بل يتميز بأنه:
رخيص التطوير: تكلفة تدريبه بلغت 5.6 مليون دولار فقط، مقارنة بـ 100 مليون دولار لـ GPT-4.
أقل تكلفة في التشغيل: تكلفة معالجة مليون رمز على “ديب سيك” تقل عن 4 دولارات، مقابل أكثر من 100 دولار على أدوات OpenAI.
مفتوح المصدر: ما يتيح للمطورين حول العالم استخدامه وتطويره بحرية.
ما يجعل هذا الإنجاز أكثر إثارة هو أن “ديب سيك” حققته دون الاعتماد على وحدات معالجة الرسومات (GPUs) المتقدمة والمكلفة من شركات مثل NVIDIA، وذلك بسبب العقوبات الأميركية التي تمنع تصدير هذه التقنيات للصين. 
عوضًا عن ذلك، نجح الفريق الصيني في تطوير نموذج يعمل على معالجات عادية بتكلفة زهيدة.
السوق تنهار... والصين تضحك
لم يكن إعلان “ديب سيك” مجرد خبر تقني عابر، بل تسبب في صدمة اقتصادية عالمية تمثلت في انخفاض أسهم NVIDIA بنسبة مرعبة ولا تزال تتداعى حتى كتابة هذه السطور، ومثلها تداعت أسهك شركات أخرى مثل Palantir، Micron، وArm Holdings.
المستثمرون في وادي السيليكون كانوا في حالة ذعر، فاكتشاف أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن تطويرها بتكلفة أقل بكثير جعلهم يعيدون النظر في استثماراتهم الضخمة، وأن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، خدعهم بخفة. 
منذ بضعة أشهر كان ألتمان مع نخبة من طلبة جامعة ستانفورد، يشاركهم ما اعتبره خلاصة خبرته في إدارة أعمال ناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي. 
وبين الأسئلة المطروحة كان الحديث عن الكفاءة وترشيد النفقات، جاء ردّه العملي بالشكل الذي رأيناه طوال شهور، حتى كانت نتيجته ما نراه اليوم.
منذ إطلاق فكرة الـGPT، اتسمت استراتيجية سام ألتمان وشركته OpenAI بنهج مثير للجدل: اللامبالاة بالميزانيات، مهما بلغ حجم الإنفاق. 
فلسفته ببساطة: استثمر بشكل مفرط في وحدات معالجة الرسومات (GPUs) المكلفة، أنشئ مراكز بيانات عملاقة بلا حساب، وواصل توسيع نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل غير محدود. 
أما إذا لم يعجبك هذا النهج، فابحث عن شركة أخرى تستثمر معها، إن استطعت.
والنتيجة؟ مليارات الدولارات ظلت تُضخ في هذا النهج، في ظل تصفيق عالمي ينظر إليه باعتباره نموذجًا للنجاح. 
أما الشركات التي كانت تخشى انهيار أسهمها، فسارعت لتقليد هذه الاستراتيجية، بغض النظر عن تكلفتها، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن مشروعات مفيدة أو تسريح موظفين أكفاء، لا يهم، المهم أن يظل المستثمر راضيًا ويرى شركتنا “رائدة” في السباق.
هذه الاستراتيجية دفعت الجميع إلى السعي وراء إنشاء ما يُعرف بـ “النماذج اللغوية الضخمة” (LLMs)، والتفاخر بها كما لو أنها مفتاح المستقبل، حتى أصبح سام ألتمان حديث وادي السيليكون، الشخص الوحيد الذي يتحدث عن استثمارات خيالية تتجاوز التريليون دولار، وكأنها أرقام عادية. 
والنتيجة النهائية؟ انفجار فقاعة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وخسائر بمليارات الدولارات، بينما تبقى الأسئلة قائمة: هل كان هذا النهج حقًا نموذجًا للابتكار، أم أنه كان مجرد سباق استعراضي باهظ الثمن؟
المقارنة مع إطلاق الاتحاد السوفيتي لقمره الصناعي الأول “سبوتنيك” عام 1957 ليست بعيدة، آنذاك، كان ذلك الحدث رمزًا لتفوق تقني غير متوقع، واليوم، يصف مارك أندريسن، مخترع متصفح “نتسكيب”، “ديب سيك” بأنها “سبوتنيك الذكاء الاصطناعي”.
وسط هذه المعركة، يبدو المستخدم هو المستفيد الأول. الأدوات الجديدة من “ديب سيك” ليست فقط أرخص، بل متاحة مجانًا بأداء ينافس أدوات OpenAI.
العالم العربي... وأين نحن؟
بينما تنشغل القوى الكبرى بمعارك الذكاء الاصطناعي، يظل العالم العربي بعيدًا عن ساحة المنافسة.
 نجاح الصين في تطوير هذه التكنولوجيا بجهود محلية وبقيادة شباب لم يتجاوزوا الثلاثين عامًا يعكس أهمية الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا.
إنها رسالة واضحة: من يريد أن يكون له مكان في المستقبل، عليه أن يبدأ من اليوم، والعلم هو المفتاح.
في النهاية، يظل السؤال: هل ستبقى الصين على طريق التفوق، أم أن وادي السيليكون سيجد طريقة للرد؟ المؤكد أن المعركة قد بدأت، وما زال في جعبة الذكاء الاصطناعي الكثير ليكشف عنه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية