نظرت على شاشة الهاتف الجوال بموقع “لينكدن” إلى السيرة الذاتية لابن صديق، وقلت له ـ وكان على الناحية الأخرى من الهاتف يطلب المساعدة في إيجاد عمل ببلاط صاحب الجلالة: أنتم محظوظون يا جيل الألفية، تطيرون سيرتكم الذاتية إلى الفضاء، لتعود فتهبط على رؤوسكم الفرص المختلفة، تنتقون من بينها أيها أنسب.
كنا وقت تلك المحادثة الهاتفية منتصف العقد الماضي، وتلبستني وقتها شهوة اجترار ذكريات الكفاح المجيدة، وركبت منبر الخبير الحكيم، وأردفت:
أتذكر يوم حصولي على الشهادة الجامعية المطبوعة ورقيا منتصف التسعينيات من القرن الماضي، و الممهورة بعدة أختام وتواقيع، لأطير بها فرحا من جامعة القاهرة إلى شارع الصحافة بـ”وسط البلد”، كما نسمي المنطقة التي تقع بها كبريات المؤسسات الصحافية، وعدة صحف صغيرة، أدور على المقرات حاملا الشهادة الأثيرة، باحثا عن موقع لقدم في صالة تحرير.
ربما يضحك الآن ساخرا ابن صديقي الذي صار صحافيا ومعدا لأحد البرامج التلفزيونية، وهو يتذكر أيام “كفاحه الرقمي” للبحث عن وظيفة، فيما يحسد الجيل المحظوظ الذي تلاه، جيل لا يتكلف من جهد سوى أن يكلف تطبيقا للذكاء الصناعي لإيجاد وظيفة له، لا جهد ولا أي عناء بسيط، بذله جيل ابن صديقي.
مجال البحث عن الوظائف يشهد اليوم تحولات جذرية بفعل التطورات التكنولوجية الهائلة، ربما بات التطور المتسارع أكبر من قدرة البعض على التكيف معه ومن ثم استغلاله، فلا يستفيد منه سوى المتطورين والمتابعين لكل جديد في مجال الذكاء الصناعي.
كيف، إذن، يسهم الذكاء الاصطناعي في البحث عن الوظائف؟
يجري ذلك عبر الآتي:
1. مطابقة المرشحين بالوظائف المناسبة: تستخدم منصات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي خوارزميات متقدمة لتحليل السير الذاتية والوصف الوظيفي، مما يساعد في مطابقة المرشحين بالوظائف التي تتناسب مع مهاراتهم وخبراتهم.
على سبيل المثال، تعتمد بعض المنصات مثل “Talentprise” على الذكاء الاصطناعي لتحديد أفضل المواهب لأصحاب العمل، مما يوفر الوقت والجهد في عملية التوظيف.
2. تحسين تجربة البحث عن الوظائف: تقدم بعض المنصات توصيات وظيفية مخصصة بناءً على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، من خلال فهم اهتمامات وتفضيلات الباحثين عن عمل، بحيث يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم فرص تتوافق مع توقعاتهم، مما يزيد من فرص العثور على الوظيفة المثالية.
3. أتمتة عمليات التقديم: تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانية التقديم التلقائي على الوظائف المناسبة، حيث تقوم بملء النماذج المطلوبة وإرسالها بالنيابة عن المرشح.
يسهم ذلك في تسريع العملية وزيادة فرص الحصول على ردود من أصحاب العمل.
4. تحليل المهارات وتقديم التوجيه: يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل مهارات المرشح واقتراح الدورات التدريبية أو التطويرية التي قد تزيد من فرصه في الحصول على وظيفة.
هذا يساعد الأفراد على تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع متطلبات السوق الحالية.
ثمة تجارب فعلية باستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث عن الوظائف، إذ أصبح من الممكن الآن لوكيل الذكاء الاصطناعي أن يراجع سيرتك الذاتية، ويبحث عن وظائف متطابقة عبر الإنترنت، ويبدأ في التقديم عليها بنفسه.
هذه التقنية تعتمد على أدوات جديدة تربط وكلاء الذكاء الاصطناعي بالمتصفحات للتصفح الآلي وجمع البيانات.
في العرض التجريبي لهذه التكنولوجيا، يتم إدخال أمر بسيط مثل:
“اقرأ سيرتي الذاتية وابحث عن وظائف تعلم الآلة، احفظها في ملف، ثم ابدأ في التقديم عليها في علامات تبويب جديدة، وإذا احتجت للمساعدة، اسألني.”
نتيجة لذلك، تصبح عملية التوظيف أكثر سلاسة وسرعة، ما يسمح للأفراد بالتركيز على تطوير مهاراتهم ومتابعة اهتماماتهم بينما يتولى الذكاء الاصطناعي مهمة البحث والتقديم على الوظائف.
ولكن السؤال هنا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهيمن على عملية التوظيف بالكامل؟
من الواضح أن مستقبل التوظيف يتجه نحو اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي. هذه الأدوات ليست مجرد إضافة إلى أدوات التوظيف التقليدية، بل تقدم لمحة عن الإنترنت عندما تهيمن عليه وكلاء الذكاء الاصطناعي بالكامل.
وبينما يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات مذهلة لتحسين عملية البحث عن الوظائف، تبرز تحديات تتعلق بالشفافية والأخلاقيات.
باختصار، الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط كيفية البحث عن الوظائف، بل يعيد صياغة مفهوم سوق العمل بأسره. نحن على أعتاب حقبة جديدة، مليئة بالإمكانيات والتحديات على حد سواء.