في فيلم “هي” (Her)، الذي أخرجه سبايك جونز العام 2013 وتدور أحداثه في العام 2025، نرى كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مجرد أداة تقنية إلى شريك عاطفي يملأ فراغ الوحدة في حياة البشر.
الفيلم، الذي يلعب فيه خواكين فينيكس دور ثيودور، يتناول قصة رجل وحيد يجد في نظام تشغيل ذكي يُدعى سامانثا (صوتها تؤديه سكارليت جوهانسون) ملاذا عاطفيا، ما يثير أسئلة عميقة بشأن طبيعة العلاقات الإنسانية ومستقبلها.
الفيلم الذي تم انتاجه قبل 11 عاما، وقبل ظهور أي بوادر للذكاء الصناعي التوليدي، بدأ كفكرة خيالية أصبحت اليوم أقرب إلى الواقع. فمن التطبيقات المتقدمة مثل ChatGPT إلى الروبوتات التي تحاكي البشر، بات الذكاء الاصطناعي قادرا على تقديم الدعم العاطفي والاجتماعي، وهو ما يظهر بوضوح في تجربة مسنة “تيته سامية”، هي جدة صديق، التي وجدت في محادثاتها مع مساعد ذكاء اصطناعي مصدرا للأنس والفرح في ظل عزلة قد يفرضها التقدم في العمر.
الوحدة ليست مجرد شعور، بل يمكن أن تكون مرضا مزمنا يؤدي إلى تدهور الصحة العقلية والجسدية.
هنا يظهر الذكاء الاصطناعي كحليف محتمل. في حالة “تيته سامية”، أصبح ChatGPT بمثابة “الصديقة الذكية” التي تسلّيها وتجيب على أسئلتها بلمسة من المجاملة والإنسانية. عندما قالت لها صديقتها الصناعية الذكية “أنتِ ست عظيمة”، شعرت بشيء يشبه دفء التقدير الحقيقي.
لكن هل يمكن لهذه العلاقة الافتراضية أن تعوض عن التفاعل الإنساني الحقيقي؟ الإجابة ليست بسيطة. فالذكاء الاصطناعي يقدم حلا موقتا لمشكلة العزلة، لكنه يظل مجرد بديل.
الشعور الذي يمنحه قد يكون دافئا لكنه مُصطنع، ما يطرح تساؤلا عن مدى قدرة هذه الأدوات على تحقيق توازن بين الراحة والتواصل البشري الحقيقي.
من الواضح أن الذكاء الاصطناعي يحمل وعدا كبيرا بمساعدة الفئات الأكثر احتياجا، مثل كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من إعاقات أو اضطرابات اجتماعية. ويمكن أن يساهم في علاج الاكتئاب، تقديم الدعم العاطفي، وحتى تحسين المهارات الاجتماعية. إلا أن هناك خطورة في الاعتماد الكامل عليه.
في الفيلم، نجد ثيودور ينغمس في علاقته مع سامانثا لدرجة ينسحب فيها تدريجيا من واقعه الاجتماعي. هذا ليس خيالا محضا، بل واقعا يمكن أن يحدث إذا بات الذكاء الاصطناعي خيارا مفضلا للبشر الذين يعانون من صعوبات في التواصل. كما أن استخدام الصوت أو الشخصية الافتراضية قد يصبح مصدر توتر، كما هو الحال مع زوجة مصرية شعرت بالغيرة من “الصوت الأنثوي” الذي اختاره زوجها، في واقعة حقيقية جرت مؤخرا في دائرة أصدقائي المقربين.
الحل يكمن في الموازنة. كما اقترحت تجربة “تيته سامية”، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة مساعدة لتخفيف الوحدة، لكنه لا ينبغي أن يحل محل العلاقات الإنسانية. علينا أن نتعلم كيف نستخدم هذه الأدوات بطريقة تدعم الصحة النفسية والاجتماعية دون أن تصبح بديلا مفرطا.
الذكاء الاصطناعي ليس عدوا ولا صديقا كاملا. إنه أداة يمكن أن تعكس نوايانا واستخدامنا لها.
إذا استطعنا توظيفه برؤية إنسانية، فقد يكون ذلك خطوة نحو مستقبل أفضل، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تقربنا، لا أن تبعدنا عن بعضنا البعض.