يبدو أن اللعبة السياسية في المنطقة والتي سميت بـ "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، أوشكت على النهاية، خصوصا أن الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، حيث قامت إسرائيل بضربات محدودة على مواقع عسكرية في إيران بعد أن تم إعلامها بهذه الضربة، وقد صرح مصدر إيراني بأن الضربة محدودة وذلك يعني ضمنيا أن إيران لن ترد على هذه الضربة، بينما دفع أهلنا في غزة وجنوب لبنان ثمنا باهظا.
والهدف غير المعلن لهذه اللعبة السياسية يبدو أنه تكوين خريطة جيوسياسية جديدة للشرق الأوسط بعد حرب غزة وجنوب لبنان، وهناك من المؤشرات التي تحققت بالفعل على أرض الواقع، والتي تدل على ذلك، فقد تمكنت الآلة العسكرية الإسرائيلية من تدمير البنية العسكرية لمنظمة حماس في غزة، وقامت بقتل الكثير من قيادييها البارزين داخل وخارج غزة وآخرهم يحيى السنوار الذي كان العقل المدبر لـ "هجوم طوفان الأقصى"، وقد دفع المدنيين في غزة الثمن باهظا واستشهد منهم أكثر من خمسين ألف مواطن من نساء وأطفال وكبار سن، وها هي غزة وكأنها مدينة تسكنها الأشباح، وفي المرحلة الثانية تمكنت إسرائيل من اجتياح الضاحية الجنوبية في لبنان التي مثلت كما يقال جبهة إسناد للقتال في غزة، وتم اغتيال الكثير من قيادات الحزب وأهمهم القائد الروحي لحزب الله حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين.
ومن تضرر في لبنان هم المدنيون من سكان الجنوب اللبناني، حيث أخلوا مساكنهم بعد أن تلقى الجنوب آلاف الضربات الصاروخية والغارات الإسرائيلية، وسقط آلاف المصابين ومئات القتلى في أوسع اجتياح جوي إسرائيلي منذ حرب عام 2006. وبدأت التساؤلات تتعالى حول حقيقة ما يحدث في لبنان، ومستقبل هذه الحرب الدامية، واتساع رقعة الصراع في المنطقة.
لقد كشفت هذه الحرب قضايا كثيرة بعد ذوبان جبل الجليد في المنطقة وانكشاف المستور، خصوصا ونحن مقبلون على فصل الشتاء، وأهم القضايا التي كشفت عنها هذه الحرب أن المشروع الإيراني المتمدد في أربع عواصم عربية لا يخدم الأمن القومي العربي، وأن على النظام الإيراني أن يخلي الساحات العربية التي تخدم نفوذه، وعلى قادة إيران أن (يحلو عنا ويرحلوا)، ومن القضايا المهمة كذلك التي كشفت عنها هذه الحرب الضروس أنه لا أمن واستقرار سياسي في المنطقة العربية بدون إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وكذلك من القضايا المهمة أن على دول المنطقة أن تعتمد على نفسها وتتماسك لترتقي مع مكانة دولية تليق بها وتحقق الرفاهية والمستوى المعيشي اللائق للشعوب.