العدد 5854
الخميس 24 أكتوبر 2024
الذكاء الاصطناعي ونوبل.. فجر أم ليل لعصر جديد؟
الخميس 24 أكتوبر 2024

أعطاني “جيمني” إجابة مرتبكة، عن طلب بسيط لمعلومة كان قد أعطانيها قبل شهور، فعنفته متغافلا للحظات أنه آلة. بلغ الذكاء الصناعي مبلغا أقنعني لبرهة أنه حقيقي.
وفسر لي صديق ما جرى بالقول إنه من المعروف علميا أن هناك ظاهرة في النماذج اللغوية الضخمة “LLM”، نتعرض لها من دون استثناء، ويدرسها بطلابه بالجامعة، وتسمى الهلوسة “Hallucination”، تماما كما يمكن أن يحدث للإنسان الواقع تحت ضغوط في بعض الأوقات، فيخرج عمله مرتبكا.
وذكرتني الواقعة بعبارة لطبيب نفسي قال: حتى إذا بلغت مرحلة أن تكلم المنضدة، فأنت تعاني من ضغوط فاحشة، أما إذا حدثتك المنضدة، حينها يجب أن تسارع باللجوء لطبيب نفسي.
والأعجب أن “جيمني” بدأ يعاملني بعدها بجفاء، بعد تعنيفي إياه، معتذرا عن تنفيذ ما أطلبه، لاسيما أنني هددته باللجوء لتطبيق آخر.
هي الندية والتحدي مع الإنسان إذًا أيها الذكاء الصناعي، وليس جنونا يستدعي ذهاب أحدنا أو كلينا لطبيب نفسي.
وربما يكون جيلنا أو جيل أبنائنا على الأكثر، هو الذي يصلح للعمل والحياة على الأرض، بعدها ستتولى الآلات المزودة بالذكاء الصناعي كل شيء، ومن يدري، فلربما يكونون أكثر إنسانية منا، وأقل تخريبا للعالم، أو العكس، ربما يكون أكثر وحشية، وأشد تدميرا.
ها نحن نقف اليوم على أعتاب عصر جديد، عصر تتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين العقل البشري والآلة الذكية، لقد تجاوزنا طموحاتنا في خلق ذكاء اصطناعي يفوقنا ذكاءً، وها نحن نخطو بثبات نحو هندسة حياة اصطناعية تتجاوز كل ما نعرفه عن الحياة الطبيعية.
وجاءت جوائز نوبل لهذا العام لتؤكد لنا مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا، وسيطرته على مجالات العلوم الأساسية.
ولطالما حذر العالم العبقري جيفري هنتون، الموصوف بأنه الأب الروحي للذكاء الصناعي، من مخاطر تفوق الآلة على البشر، وها هو يقدم بفوزه بجائزة نوبل أخيرا، دليلا قاطعا على أن الذكاء الاصطناعي أصبح محركا رئيسا للاكتشافات العلمية.
ومع اقترابنا من اللحظة التي يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي على البشري، تتغير مفاهيمنا عن الوجود الإنساني والأخلاق والقيم، فهل سنظل نعد أنفسنا الكائنات المفكرة الفريدة الوحيدة في الكون؟ وكيف سنحدد معنى الأخلاق في عالم تسوده الآلات الذكية؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها، وتحتاج إلى إجابات عاجلة، قبل أن يداهمنا الذكاء الصناعي بإجاباته ويفرضها علينا.
وأول الأسئلة: كيف سنضمن أن يتم استخدام هذه التقنية الجديدة لصالح البشرية جمعاء، وألا يغادر ملايين الضحايا منا خلفها؟ 
المستقبل الذي ينتظرنا مفعم بالأسئلة التي تفضي إلى مجهول، سيشكل الذكاء الصناعي ملامحه الرئيسة، فهل نحن مستعدون لبنائه بالتعاون مع الآلات بشكل مسؤول وعادل، أم نتركه يحدده لنا بنفسه بمعزل عنا؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية