يفضي تحليل أبعاد المواجهة بين روسيا والدول الغربية (الأوروبية منها خصوصا) إلى القول.. إن الاستراتيجية المتبعة من قبل دول الاتحاد الأوروبي تبدو كمن يطلق النار على قدميه، لذلك يمكن وصفها باستراتيجية الجنون التي تبلورت بشكل واضح في الحرب الروسية - الأوكرانية التي كان يمكن أن تنتهي في شهر أبريل 2022م بتوقيع اتفاق السلام بين البلدين الشقيقين، وتجنب الخسائر الهائلة التي تكبدها الطرفان في هذه المواجهة.
ويعزز هذا الاتجاه نحو الجنون الاستراتيجي الحديث (الأوروبي خاصة) عن السماح بضرب العمق الروسي بأسلحة غربية بعيدة المدى، ما سيعزز - حال حدوثه - قوة المتشددين داخل روسيا، وإضعاف موقف المعتدلين الذين ما يزالون يتعاملون مع هذه الحرب بهدوء نسبي. لذلك يبدو هذا الرهان مفتقرا للعقلانية والواقعية السياسية، نتيجة الهوس بإلحاق الهزيمة بروسيا بأية وسيلة وبأي ثمن بناء على سرديات الخوف. فإذا كانت روسيا هي من بدأ الحرب، فإن للحرب مقدمات، والناتو حركها وغذّاها، ولذلك يشعر الذين حاولوا التوسط من أجل السلام بأن ما يعيق الذهاب إلى السلام هو استراتيجية الجنون هذه، وأن ما يحرك استمرارية هذه الحرب هي رغبة الناتو المحمومة في التوسع إلى الحدود الروسية وعدم تفهم الهواجس الأمنية الروسية، ما سيجبرها على مراجعة عقيدتها النووية بما يعني التوسع في استخدام هذه الأسلحة، في ظل رفض أي حوار أو مفاوضات، وهو أمر غير مسبوق سياسيا وأمنيا حتى في أوج الحرب الباردة.
والوجه الثاني لهذه الاستراتيجية يبدو على الصعيد الاقتصادي، فما يحدث حاليا لألمانيا مثال موجع عن سيادة اللاعقلانية في سياسة العقوبات ونتائجها الدراماتيكية، فقد كانت ألمانيا الاقتصاد الأول في الاتحاد الأوروبي ورافعته الأساسية، واليوم فإن عدد الشركات الألمانية التي أعلنت إفلاسها يقدر بالآلاف، إضافة إلى انتقال مئات الشركات الألمانية للعمل في الخارج، ما سبب ركودا وتراجعا في نسبة النمو، بسبب ما يعانيه الاقتصاد من ارتفاع تكلفة الطاقة جراء العقوبات، واستمرار تمويل الحرب في أوكرانيا، وهذا ينطبق على أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي التي تشهد حاليا، ونتيجة لهذه السياسات، صعودا مقلقا للأحزاب الشعبوية المتطرفة التي سيكون لها تأثير كبير في المستقبل القريب لأوروبا. وللحديث صلة.
*كاتب وإعلامي بحريني